39 C
Khartoum
الجمعة, أغسطس 14, 2026

الدولة والجيش.. من الانتصار إلى بناء المستقبل كتبت : محاسن عثمان نصر

إقرأ ايضا

في الذكرى الثانية والسبعين لتأسيس القوات المسلحة السودانية، لا تبدو المناسبة مجرد محطة لاستعادة صور البطولات، بل لحظة للتأمل في سؤال أكبر: ماذا بعد الانتصار؟ وكيف تتحول تضحيات الحرب إلى دولة أكثر قوة، وجيش أكثر جاهزية، ووطن يجد طريقه إلى المستقبل؟

منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، واجه السودان واحدة من أعقد مراحل تاريخه الحديث، ووجدت القوات المسلحة نفسها في قلب معركة الدفاع عن الدولة وسيادتها ومؤسساتها. وقدّم الضباط وضباط الصف والجنود، إلى جانب القوات المساندة، تضحيات كبيرة، فيما لبّى آلاف الشباب نداء الوطن وانخرطوا في صفوف القتال، في مشهد عكس عمق الارتباط بالأرض والدولة.

وفي هذه الذكرى، تبقى التحية واجبة للشهداء والجرحى والمفقودين، ولأسرهم التي دفعت ثمناً باهظاً في سبيل الوطن. لكن الوفاء الحقيقي لتلك التضحيات لا يكون باستمرار استحضار الحرب وحدها، وإنما بتحويل نتائجها ودروسها إلى مشروع لبناء سودان أكثر استقراراً.

فالمعركة تنتهي ميدانياً، لكنها لا تنتهي بمغادرة ساحات القتال. هناك معركة أخرى تبدأ: معركة إعادة بناء المؤسسات، واستعادة الاقتصاد، وترميم النسيج الاجتماعي، وتأسيس دولة قادرة على حماية مواطنيها وصون سيادتها.

ومن هنا، فإن تطوير القوات المسلحة ينبغي أن يصبح جزءاً من رؤية وطنية طويلة المدى. فالجيوش الحديثة لا تُقاس بكثرة السلاح وحده، وإنما بقدرتها على استخدام التكنولوجيا، وتطوير الاستخبارات، وتعزيز الحرب الإلكترونية، وإدارة المعلومات، والاستفادة من الطائرات المسيّرة والأنظمة الحديثة في الاستطلاع والاتصال واتخاذ القرار.

ويأتي التدريب في قلب هذه الرؤية. فالخبرات التي راكمتها القوات خلال سنوات الحرب تمثل رصيداً مهماً، ينبغي أن يُترجم إلى برامج متقدمة في الكليات والمعاهد العسكرية، تجمع بين الخبرة الميدانية والمعرفة العلمية، وتؤهل أجيالاً جديدة من القيادات القادرة على التعامل مع حروب المستقبل ومتغيراتها.

ولا يكتمل بناء المؤسسة العسكرية من دون بناء الإنسان داخلها. فالرعاية الصحية والاجتماعية للجنود، والاهتمام بأسر الشهداء والجرحى، وتأمين حياة كريمة لمن خدموا الوطن، ليست امتيازات إضافية، بل جزء من مسؤولية الدولة ووفائها لمن حملوا عبء الدفاع عنها.

كما أن دعم الصناعات الدفاعية والبحث العلمي العسكري يمثلان استثماراً في الأمن الوطني، ويمنحان السودان قدرة أكبر على امتلاك أدواته الاستراتيجية وتقليل اعتماده على الخارج.

لكن قوة الجيش وحدها لا تكفي لبناء دولة قوية. فالاستقرار يحتاج إلى اقتصاد منتج، وتعليم متطور، ومؤسسات عدلية راسخة، وإعلام مسؤول، ومجتمع يتجاوز آثار الانقسام. ولهذا فإن إعادة بناء السودان يجب أن تكون مشروعاً وطنياً تتكامل فيه أدوار الدولة والمجتمع والقوات المسلحة.

وربما تختصر قول شهيد الجيش المفكر محمد برتوبرتو : «اتركوا الكراهية وتعالوا نبني وطننا» جوهر المرحلة المقبلة؛ فبعد أن سال الدم، يجب أن تتقدم لغة البناء. وبعد أن انشغل الوطن بسؤال البقاء، آن له أن يفتح الباب أمام سؤال المستقبل.

في عيد القوات المسلحة الثاني والسبعين، لا يقتصر التكريم على استذكار من قاتلوا، بل يمتد إلى مسؤولية الأحياء في صناعة الغد. فالقوة الحقيقية لا تُقاس فقط بما يُنتصر فيه في الميدان، وإنما بما يُبنى بعده.

إن السودان الذي يستحقه الشهداء ليس سوداناً تظلله ذاكرة الحرب، بل وطناً آمناً، موحداً، منتجاً، تتقدم فيه الدولة بمؤسسات قوية، ويجد أبناؤه في المستقبل ما يستحق أن يقاتلوا من أجله: وطنٌ تتراجع فيه الكراهية، ويتقدم فيه البناء، وتصبح وحدة الشعب أقوى من كل أسباب الانقسام.

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة