في خضم معركة مصيرية يخوضها السودان منذ أكثر من ثلاثة أعوام، لم تعد البندقية وحدها سلاح الميدان..لقد انتقلت الحرب من الخنادق والمدن إلى العقول والهواتف ومن خطوط التماس إلى صفحات التواصل، حيث تصنع الفتن وتفصل الأكاذيب على مقاس الأزمات، وتطبخ المؤامرات في مطابخ الظلام وفي هذا التوقيت الحرج لا بد من الوعي بما يحاك ضد الوطن من مؤامرات خارجية وداخلية تهدد عضد وحدته، وتسعى لإشعال نار الفتنة وتنفيذ أجندات مشبوهة.. كل هذه المعطيات التحذيرية لم تأتِ من فراغ. إنها قراءة لواقع معقد ومحاولة لقطع الطريق على من يريدون للسودان أن يظل جريحاً ينزف، وممزقاً لا يلتئم..فإذا سقطت الثقة بين الشعب ومؤسساته، سقط آخر صمام أمان للدولة، وانفرط عقد الوطن وضاع كل شيء..إنهم يدركون أن بندقية الجيش لا تُهزم بالبندقية، فيلجأون إلى هزيمتها بالشائعة..وأن صمود الشعب لا يكسر بالقذيفة فيلجأون إلى كسره بالفتنة..لأن صناعة الفتنة هي سلاح العاجز وحيلة المفلس. يطلقون كذبة في الصباح، فتجدها قد بلغت الآفاق في المساء.. يتناقلها الناس دون تثبت، ويرددها البعض دون وعي.. قال تعالى:(يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين)
فكم من وطن ضاع بشائعة، وكم من جيش تفكك بكلمة، وكم من ثقة انهارت بمنشور مجهول.
إن العلاقة بين الحرب النفسية والإشاعة علاقة جدلية متينة. يصعب أحياناً التمييز بين حدود المصطلحين، حتى ليعتقد البعض أن الإشاعة هي الحرب النفسية، والحرب النفسية هي الإشاعة ولا أحد يستطيع أن ينكر الزيادة المطردة لتلك المواقع والقنوات والصفحات في الفترة الأخيرة. يعتمدون عفواً على جهل البعض وينشر أنصارهم تلك الأكاذيب عبر صفحاتهم وجلساتهم في أي مكان يتواجدون فيه، لعلهم يجدون (مغفلين) آخرين يصدقون تلك الأكاذيب فيستخدمونهم كأدوات فيما بعد لنشر (أفكارهم السامة) بين أفراد المجتمع، من أجل أن يستمر الجدل الذي يفرز التناحر والشقاق المهلك.
من يعتقد أن هذه الشائعات ستنتهي قبل لحظة (الحق) فهو واهم، لأن السودان سيظل مستهدفاً حتى تلك اللحظة..لذلك أدعو كل المواطنين إلى توخي الحذر واستخدام العقل، قبل تصديق كل ما يُنشر أو يُعلن عبر شاشات بعض القنوات أو المواقع التي أصبحت معروفة بالاسم.. وأخيراً: لا داعي لإقحام القوات المسلحة في كل حديث، لأن الشعب السوداني الأصيل سيبقى خلف قواته المسلحة بعقد أبدي.
إن السودان اليوم يقف على مفترق طرق..إما أن نعبر بسلام نصنعه بأيدينا، بوعينا ووحدتنا والتفافنا حول قواتنا المسلحة، كما قالت الحكومة وإما أن نسمح لأيد خفية أن ترسم لنا خرائط التقسيم والفوضى، وتقودنا إلى مستنقع لا خروج منه.. المعركة اليوم ليست معركة سلاح فقط، بل هي معركة وعي، ومعركة ثقة، ومعركة إرادة.. يا أبناء السودان لا تكونوا وقوداً للفتنة، ولا جسراً للشائعة تبينوا.. تثبتوا.. توحدوا فالوطن لا يبنى بالظنون، ولا يحمى بالشائعات. بل يُبنى بصدق الكلمة، وثبات الموقف، ونقاء السريرة.
(فتبينوا..)كذبة الصباح قد تهدم وطن المساء .. بقلم: أسامة الصادق أبو مهند


