أصدر مجلس الوزراء الانتقالي قراره رقم (46) لسنة 2026م بشأن إيقاف التوظيف (التعيين) الجديد في كافة أجهزة ومؤسسات الدولة، وذلك بتاريخ 6 ربيع الأول 1448هـ، الموافق 8 سبتمبر 2026م.
وجاء القرار متضمنًا عددًا من الإجراءات المهمة، من بينها الإيقاف الفوري لأي توظيف جديد في أجهزة ومؤسسات الدولة، ومراجعة كشوفات التعيينات الجديدة التي تمت خلال الفترة المحددة في القرار، فضلًا عن وقف النقل والانتداب والإعارة بين المؤسسات الحكومية إلا بموافقة رئيس مجلس الوزراء، مع التأكيد على إعطاء الأولوية في حالات الاحتياج الوظيفي للعاملين الحاليين بالمؤسسات.
ومن وجهة نظر نقابية، فإن هذا الاتجاه يستحق الترحيب؛ لأنه يلامس جوهرًا مهمًا من جوهر الإصلاح المؤسسي: ترتيب البيت من الداخل قبل إضافة أعداد جديدة إليه.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا، وبكل هدوء ومسؤولية:
هل يكفي إيقاف التعيين الرسمي؟
هذه هي النقطة التي تستحق أن نتوقف عندها.
فالواقع الإداري لا يعرف فقط بابًا اسمه «التعيين»، وإنما توجد أبواب أخرى للتعاقد والتعاون والاستعانة، وقد تكون هذه الأبواب في بعض الأحيان أكثر اتساعًا من باب التعيين نفسه.
وهنا لا بد من أن نسأل:
ماذا عن المتعاقدين والمتعاونين؟
نحن نتحدث عن أعداد ليست بالقليلة من المتعاقدين والمتعاونين الذين قد يدخلون إلى بعض المؤسسات مع مجيء المسؤول الأول إليها، وكأن لكل مسؤول جديد «فريقًا جاهزًا» ينتظر وصوله!
ولا نقصد بذلك رفض الاستعانة بالخبرات والكفاءات المتخصصة، فهذا أمر مشروع وضروري عندما تكون هناك حاجة حقيقية لا تتوافر داخل المؤسسة.
لكن المطلوب هو ضبط هذه العملية بمعايير واضحة وشفافة، حتى لا يصبح إيقاف التعيين مجرد إغلاق للباب الأمامي، بينما تظل الأبواب الجانبية مفتوحة على مصراعيها.
فإذا كان الهدف من القرار هو ضبط الهيكل الوظيفي وترشيد الموارد وإعطاء الأولوية للعاملين الحاليين، فمن الطبيعي أن تمتد روح القرار إلى كل صور الاستيعاب والتعاقد والتعاون، لا أن يتوقف التعيين بينما يستمر الاستيعاب تحت مسميات أخرى.
وماذا عن الكفاءات الموجودة أصلًا؟
من أهم ما ورد في القرار الإشارة إلى تغطية الاحتياج الوظيفي من خلال العاملين الحاليين بالمؤسسات.
وهذه نقطة إيجابية جدًا، بل ربما تكون من أكثر النقاط التي ينبغي أن تحظى بالاهتمام.
ففي مؤسسات الدولة توجد كفاءات تراكمت لديها سنوات من الخبرة والمعرفة بطبيعة العمل، لكنها في أحيان كثيرة تجد نفسها أمام سقف وظيفي لا يرتفع، ليس بسبب نقص الكفاءة، وإنما بسبب استمرار شغل المواقع والوظائف بواسطة آخرين.
وهنا تظهر قضية أخرى لا يمكن تجاهلها:
التمديد للمعاشيين… أين تقف الفرصة أمام الموظف الشاب؟
نحن نحترم المعاشيين ونقدر تاريخهم وخبراتهم، ولا يمكن للنقابة أن تتبنى موقفًا ينتقص من عطاء أي إنسان خدم مؤسسته أو وطنه.
لكن الاستفادة من الخبرة شيء، وإغلاق الطريق أمام الأجيال الجديدة شيء آخر.
وفي مجال العمل الإنساني على وجه الخصوص، توجد خبرات شابة وعاملون أمضوا سنوات طويلة في الخدمة، واكتسبوا خبرات ميدانية ومؤسسية حقيقية، ومن حقهم الطبيعي أن يروا ثمرة عطائهم في الترقي وتحمل المسؤولية وتولي المواقع التي تؤهلهم لها كفاءتهم وخبرتهم.
أما أن يستمر التجديد والتمديد لبعض المعاشيين بصورة تجعل المواقع الوظيفية مغلقة أمام العاملين الموجودين أصلًا، فهنا يصبح السؤال مشروعًا:
إذا لم تتحرك عجلة الترقي الآن، فمتى تتحرك؟ وإذا لم تُمنح الكفاءات الموجودة فرصة اليوم، فمتى تأتي الفرصة؟
المؤسسات لا يمكن أن تعيش على خبرات جيل واحد إلى ما لا نهاية.
الخبرة ينبغي أن تُنقل، لا أن تُحتكر؛ والشباب ينبغي أن يجدوا طريقًا للمسؤولية، لا أن يظلوا ينتظرون شغور المقاعد.
القرار مهم… لكن العدالة تحتاج إلى ما هو أبعد
لقد سبق أن رفعت النقابة مذكرة تضمنت شكاوى وتظلمات العاملين بشأن ما أصابهم من إحساس بعدم الإنصاف، وما ترتب على ذلك من تعطيل للترقي وإهدار لفرص كان يفترض أن تكون متاحة للكفاءات الموجودة.
ومع الأسف، لم تجد هذه المطالب حتى الآن الاستجابة التي كان العاملون ينتظرونها.
ومن هنا فإننا ننظر إلى قرار مجلس الوزراء باعتباره فرصة لإعادة النظر في منظومة التوظيف والاستيعاب والترقي بصورة شاملة، وليس مجرد قرار لإيقاف التعيينات الجديدة.
فالإصلاح الحقيقي لا يعني فقط أن نقول:
«لا تعيينات جديدة».
بل يعني أيضًا أن نسأل:
من يشغل الوظائف الموجودة؟
ما المعايير التي تحكم التعاقد والتعاون؟
هل توجد حاجة فعلية لكل متعاقد ومتعاون؟
هل تتم المنافسة على الوظائف وفق الكفاءة والاستحقاق؟
ماذا عن الترقيات المستحقة للعاملين الحاليين؟
ومتى يتم فتح الطريق أمام الكفاءات الشابة؟
وكيف نضمن انتقال الخبرة من جيل إلى جيل بصورة مؤسسية؟
رسالة نقابية واضحة
نحن لا نعارض أحدًا، ولا نستهدف أشخاصًا بعينهم، ولا نطالب بإقصاء أصحاب الخبرة.
نحن نطالب فقط بأن تكون المؤسسة هي التي تختار، والمعايير هي التي تحكم، والكفاءة هي التي تتقدم.
كما أننا نحترم تمامًا صلاحيات رئيس مجلس الوزراء والجهات المختصة، لكننا نرى أن الإصلاح المؤسسي المستدام لا ينبغي أن يقوم على كثرة الاستثناءات، وإنما على قواعد واضحة تنطبق على الجميع.
فليس من المنطقي أن نغلق باب التعيين ثم نكتشف أن هناك أبوابًا أخرى تؤدي إلى المكان نفسه!
نريد قرارًا يعيد ترتيب الأولويات، لا مجرد إعادة تسمية الأبواب.
ونريد مؤسسة تعطي موظفها الحالي الأمل في الترقي، والشاب فيها فرصة للتقدم، وصاحب الخبرة مساحة لنقل معرفته، وتضع التعاقد والاستعانة بالآخرين في إطار الحاجة الحقيقية والمعايير المهنية.
وأخيرًا
نرحب بقرار مجلس الوزراء الانتقالي، ونعتبره خطوة إيجابية في الاتجاه الصحيح، لكننا نرى أن نجاحه الحقيقي لن يقاس بعدد التعيينات التي أُوقفت، وإنما بمدى قدرته على تحقيق العدالة الوظيفية، وضبط الاستيعاب، وترشيد الموارد، وإعادة الاعتبار للكفاءات الموجودة داخل مؤسسات الدولة.
فالبلاد التي تريد أن تبني مؤسساتها بعد الحرب تحتاج إلى مؤسسات تتجدد، لا مؤسسات تتجمد؛ وإلى خبرة تُورّث، لا مواقع تُورّث؛ وإلى شباب يجدون مكانهم في الصف الأول، لا أن يظلوا في صف الانتظار.
هذه ليست معركة ضد المعاشيين، ولا ضد المتعاقدين، ولا ضد أي مسؤول؛ إنها ببساطة مطالبة بأن تكون الفرصة الوظيفية حقًا تحكمه الكفاءة والاستحقاق، لا القرب من هذا المسؤول أو ذاك.
النقابة
صوت العاملين… ومسؤولية الدفاع عن العدالة الوظيفية.
ولنا عودة،،،


