▪️يقول خبراء علم الكلام وفلاسفة الميتانقد.. أسوأ مسافة بين شخصين هي سوءالفهم …واخطر مسافة هي سوء الظن
فبين مقصود لم ينطق ومنطوق لم يقصد …تضيع سبل المودة والتفاهم فينشأ متقابلان “الأنا والأخر”..التبريريون هم وحدهم من يبحثون عن شرعنة أفعالهم لتجد قبول ما أو من باب إستعلاء ذاتي بأنهم يملكون الحق المطلق كتفسير لمعني السلطة المطلقة مفسدة مطلقة…! الصحافة في مفهومها المعاصر تعني كتابة وصناعة محتوي تعبيري لوسائل إعلامية متنوعة مثل قناة فضائية أو منصة إلكترونية أو إذاعة أو منابر ومؤتمرات .. والصحافة كسلطة رابعة أعتقد بأن هذه المقولة هي حمالة وجهين وهما هل هذه السلطات الأربع متوازية أم أن كلمة السلطة الرابعة هي في مزيلة الترتيب في شكل السلطات .. سؤال عميق جداً يحتاج لتفكيك المعني والدلالة.. ويكشف مدي الإلتباس المزدوج وأننا نردد مقولة ولا نفهم فخها.
فمن قال “السلطة الرابعة”؟ قالها المؤرخ الإنجليزي توماس كارلايل عام 1840م.. نقلاً عن إدموند بيرك.. كان يقصد “هناك ثلاث سلطات في البرلمان: اللوردات، والأساقفة، والعوام.. لكن هناك سلطة رابعة أقوى منهم جميعاً في قاعة الصحفيين”.إذن أصل الكلمة ليس ترتيباً.. بل تهديداً.. الصحافة أقوى من الثلاثة.لكن نحن في السودان والعالم العربي حولناها إلى (مزيلة ترتيب).. إلى الدرجة الرابعة.. إلى الملحق.وهنا وجهان.. أو فخانة(الوجه الأول) هل السلطات متوازية؟
فنظرياً في كتب القانون السلطة الأولى هي التشريعية (البرلمان).. تشرع القانون و السلطة الثانيةهي السلطة التنفيذية (الحكومة والجيش والشرطة).. تنفذ القانون.و السلطة الثالثة هي القضائية (المحاكم)..وهي تحاسب من يخالف القانون.والسلطة الرابعةهي الصحافة.. تراقب الثلاثة.فنظرياً.. الأربع متوازية.. ومتوازنة.. مثل أرجل الطاولة.. إذا كسرت رجل.. سقطت الطاولة.ولكن عملياً.. في السودان.. هل هي متوازية؟ ،(لا.) فالتنفيذية تملك السلاح والمال.. وتستطيع أن تغلق صحيفة بقرار.. وتعتقل صحفياً بمكالمة.والتشريعية تملك القانون..وتستطيع أن تفصل قانون صحافة يقيدك.والقضائية تملك الحكم.. وتستطيع أن تحكم عليك بالسجن بتهمة “نشر أخبار كاذبة”.
وأما الصحافة.. فلا تملك إلا الكلمة.. والكلمة لا تحمي نفسها.فإذن نحن لسنا سلطة متوازية.. نحن سلطة تكميلية في لوحة السلطات.
(الوجه الثاني ،)هل كلمة الرابعة تعني الترتيب؟ وهو هنا الفخ اللغوي.في الإنجليزية( Fourth Estate) لا تعني الرابع في الأهمية.. بل تعني”الطائفةالرابعة”.. مثل طبقة.كن ترجمتنا العربية “السلطة الرابعة” أوحت بأنها الأخيرة.. يعني بعد ما تنتهي الحكومة والبرلمان والمحكمة.. يأتي دور الصحفي.. يكتب عموداً إم يوضح الحقيقة أو يؤيد الأداء أوينتقد قرارٱ كمنصة رقابية لاتملك حق النقد إيقاف القرارات ومسارات العمل أو المشاركة في إتخاذ القرار وهذا ما تريده الحكومات في الغالب الأعم أن تكون الصحافة في مزيلة الترتيب. يعني في آخر الصف.. تأكل الفتات.. تنقل البيانات.. لا تصنع القرار. وحتى في البروتوكول الرسمي.. انظر الرئيس يجلس أولاًو رئيس الوزراء ثانياً.و رئيس القضاء ثالثاً رئيس إتحاد الصحفيين.. إذا دعي.. يجلس في الصف العاشر خلف وكيل وزارة.إذن نحن رابعاً في كل شيء.. حتى في المقاعد. ما هي الحقيقة الفلسفية؟الحقيقة أن الصحافة ليست سلطة رابعة.. بل هي( السلطة الأولى). ولكن بالمقلوب.كيف (السلطات الثلاث تستمد شرعيتها من الدستور.. والصحافة تستمد شرعيتها من الناس و السلطات الثلاث تعمل في (اجتماعات مغلقة).. والصحافة تعمل في النور؛(السلطات الثلاث) تخاف من بعضها.. والصحافة هي الوحيدة التي لا تخاف منها إلا إذا كانت فاسدٱ لذلك.. الفيلسوف الفرنسي فوكو قال: “السلطة ليست من يملك السلاح.. بل من يملك المعرفة.. ومن يملك المعرفة يملك كيف يفكر الناس”.ومن يملك كيف يفكر الناس؟ هو الصحفي.إذن نحن لسنا الرابعة.. نحن الأولى في التأثير.. والأخيرة في الحماية
ما الحل؟ كيف نخرج من مزيلة الترتيب؟
ننتقل من صحافة سلطة.. إلى صحافة سلطان السلطة تملك قانوناً.. والسلطان يملك قلوب الناس.والصحفي الذي يفتح نافذة نحو المستقبل ويري مالايراه الأخرين.. أو يزرع مع المزارع لينتج قمحٱ.. أو يبني فصلاً.. هو يملك سلطاناً لا يملكه وزير.
والتحول من صحافة خبر.. إلى صحافة حل وبناء أفكار فالسلطة لا تخاف من صحفي يقول “الدولار طار”.. بل تخاف من صحفي يقول “هذا هو الحل لإنزال الدولار عبر وحدة التحكم المصرفية في البنوك الأول يبكي.. والثاني يحكم بالمعرفة والأخلاق المهنية ومن ترتيب رابع.. إلى ترتيب أول.. لا تنتظر أن تعطيك الحكومة ترتيباً.. اصنع ترتيبك بإلتزامك المهني والأخلاقي النسؤول.
فعندما كانت الخرطوم محاصرة.. من كان يوصل الحقيقة؟ الصحفي أم الوزير فهناك أصبحت أنت السلطة الأولى..كمصدر للأحداث ووجه الحقيقة التي يكرهها الذين يعشقون العمل في الطلام فمقولة “السلطة الرابعة” هي مقولة حق أريد بها باطل. أريد بها أن يقال للصحفي: “أنت معنا على الطاولة”.. بينما الحقيقة: أنت تحت الطاولة.. تلتقط الفتات.والصحافة الحقيقية ليست سلطة رابعة.. بل هي ضمير الثلاث سلطات والضمير لا يرتب.. الضمير إما حي فيحيي الجسد كله.. أو ميت فيموت الجسد كله.. حتى لو كان يلبس بدلة سلطة.فيا أيها الصحفي.. لا تفرح بكلمة الرابعة.. بل اسأل( هل أنا في المتن.. أم في المزيلة؟
والله المستعان..!


