تخيّل طفلاً في السابعة من عمره، يجلس وحده في غرفةٍ مظلمة، لا يضيئها إلا ضوء شاشة صغيرة. أصابعه تتحرك بسرعة على الهاتف، وعيناه غائرتان، وأمه في المطبخ تطبخ وتفكر كيف تجد قوت يومها. في تلك اللحظة، الهاتف لا يسرق وقت الطفل فقط، بل يسرق ضحكته، ولعبه، وذاكرته، وطفولته كلها. هذا المشهد لم يعد غريباً في أزقة الخرطوم وأم درمان، ولا في قرى الجزيرة ودارفور وكردفان، بل صار شيئاً نراه كل يوم. الجهاز الذي صُنع أصلاً لنتواصل به مع الناس، تحوّل إلى مربٍّ بديل للطفل، يجلس مكان الأب المشغول، ومكان المدرسة المتعثرة، ويسألنا سؤالاً مخيفاً: من يربّي أبناءنا فعلاً في زمن الشاشات؟
أسباب هذه المشكلة ليست وليدة اليوم، بل جاءت مع تحولات كبيرة عاشها السودانيون في السنوات الأخيرة. الظروف الصعبة التي مرت بها البلاد دفعت آلاف الأسر إلى النزوح من ديارها، وتعطلت مدارس كثيرة، فوجد الأطفال في الهاتف نافذة وحيدة للتعلم واللعب معاً. وفي الوقت نفسه، ضاقت مساحات اللعب في الأحياء، واختفت أندية الأطفال التي كانت يوماً تحتضن النشء وتعلّمهم الرياضة والفنون. ومع غلاء المعيشة، صار الهاتف المستعمل بثمنٍ بسيط في متناول كثير من الأسر، فدخل بيوتنا بلا حساب ولا رقابة.
اليوم، تقول تقارير منظمة اليونيسف إن معظم الأطفال في المنطقة العربية يجلسون أمام الشاشات ساعاتٍ طويلة، أكثر بكثير مما توصي به منظمة الصحة العالمية، التي تنصح بألا يتجاوز استخدام الصغار ساعة واحدة في اليوم. وفي السودان، حيث يشتري المراهقون هواتف مستعملة بأسعارٍ زهيدة، تتضاعف مدة الجلوس أمام الشاشة، في غياب شبه كامل لرقابة الأهل المنشغلين بتدبير لقمة العيش. وتكشف جولات في أحياء العاصمة أن أطفالاً لم يتجاوزوا الخامسة يتعاملون مع الهاتف بمهارة تفوق مهارة آبائهم، بينما يغيب الكلام والحوار داخل البيت شيئاً فشيئاً.
والنتائج لم تتأخر. الأطباء والمختصون في التربية يتحدثون عن ضعف التركيز، واضطراب النوم، والانعزال عن الناس بين التلاميذ. ويتعرض الصغار لمحتوى غير مناسب، ولشائعاتٍ تتسلل إلى عقولهم في لحظات ضعفهم. وتجد الأسر نفسها عاجزة عن متابعة عالمٍ رقمي لا تعرف قواعده. ويحذر الخبراء من أن إدمان الهاتف في الصغر قد يترك آثاراً على العقل والنفس يصعب إصلاحها لاحقاً، خصوصاً مع غياب بدائل حقيقية للترفيه.
وهنا لا يكفي أن نرصد المشكلة ونحذر فقط؛ فالخطر لم يعد شيئاً بعيداً، بل صار واقعاً يومياً يأكل الطفولة بصمت، ويحتاج منا موقفاً حازماً لا مجرد كلامٍ عابر. ما يحدث لأطفالنا من انعزالٍ وتشتتٍ وضياع ساعات العمر أمام شاشاتٍ لا ترحم، جريمة صامتة تحدث في غفلةٍ من الجميع، ولا يجوز أن نتركها تتكرر بحجة أن الزمن تغيّر أو أن البدائل غابت.
والحقيقة الأعمق التي يكشفها التحليل مفاجئة: الهاتف الذكي في السودان ليس مجرد وسيلة ترفيه، بل صار لكثير من الأطفال النازحين ذاكرةً تحفظ صور بيوتهم وأصدقائهم الذين تشتتوا، وجسراً نفسياً يربطهم بعالمهم القديم. لهذا فإن الحلول التي تعتمد على المنع الكامل وحدها لا تفهم تعقيد هذه المشكلة الإنسانية. الشاشة هنا ليست عدواً خالصاً، بل وعاء يحمل جراحاً وآمالاً في الوقت نفسه، وهذا ما يفرض علينا مواجهةً واعية لا مواجهةً عشوائية.
ومستقبلاً، يرى خبراء التربية أن الحل في التوازن لا في المصادرة: تربية رقمية واعية داخل الأسرة، ومحتوى عربي هادف ينافس الضوضاء، ومساحات اجتماعية بديلة تعيد للطفولة فرحتها. ويقترح بعضهم تدريس التربية الرقمية في المدارس، وتشجيع صناعة محتوى محلي آمن يخاطب وجدان الطفل السوداني بلغته وبيئته.
لكن أي حلٍّ لهذه المشكلة يجب أن يبدأ من عقلٍ بارد لا من انفعال. فمنطقياً، لا يمكن أن نمنع الهاتف عن أطفالنا في زمنٍ صار فيه الهاتف ضرورة للتعلم والتواصل، ولا يمكن أن نتركهم له بلا حدود. الحل العقلاني يقوم على ثلاث خطوات واضحة: أولاً، نتفق كأسرة على وقتٍ محدد للشاشة لا يُتجاوز، ونكتبه ونعلّقه في البيت حتى يراه الطفل ويلتزم به. ثانياً، نصنع بديلاً حقيقياً: كرة قدم في الحوش، أو جلسة حكايات بعد العشاء، أو زيارة للأقارب، لأن الطفل إذا وجد ما يفرحه لن يلجأ إلى الشاشة. ثالثاً، نعلّم الطفل نفسه كيف يستخدم الهاتف بذكاء، بأن نختار معه ما يشاهده، ونتحدث معه عما يراه، ونجعله يفهم أن الشاشة أداة لا سيد. هذه الخطوات الثلاث لا تحتاج مالاً ولا سلطة، بل تحتاج وعياً وصبراً واتفاقاً داخل البيت الواحد، وهي قابلة للتطبيق من اليوم الأول.
في الختام، لم نكتب هذا المقال لنشرح المشكلة فقط، بل لنناشد ونطالب بحملة وطنية عاجلة تحمي أطفالنا من هذا الخطر، مسؤولية جماعية لا يتهرّب منها أحد. نناشد الأم والأب أولاً: راقبوا أبناءكم، واصنعوا لهم بديلاً من اللعب والحوار، وكونوا القدوة قبل النصيحة، فالبيت هو خط الدفاع الأول. ونطالب وزارة التربية والتعليم بإدخال التربية الرقمية في المناهج، وإعادة الحياة للأنشطة المدرسية والرياضية، وتدريب المعلمين على مواجهة هذا الواقع بصرامةٍ ووعي. ونطالب وزارة الثقافة والإعلام بإنتاج محتوى طفولي هادف ينافس الضوضاء الرقمية بلغة الطفل السوداني ووجدانه، وإطلاق حملات توعية مستمرة عبر كل المنصات. ونطالب وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات بوضع قواعد لاستخدام الأطفال للإنترنت، ودعم أولياء الأمور بأدوات رقابة فعّالة، وتشجيع التطبيقات التعليمية الآمنة. ونطالب الصحفيين والإعلاميين بأن يكونوا صوت هذه القضية: بالتحقيق، والتوعية، ومساءلة الجميع بلغةٍ موضوعية. ونطالب كل مهتم بالطفولة، من جمعياتٍ ومتطوعين ومؤثرين، بأن يبادروا دون انتظار. فلنبدأ جميعاً من اليوم، فالشاشة مرآة لما نضع نحن الكبار فيها؛ إما أن تكون نافذة نور تفتح للنشء آفاق المعرفة، أو باباً يُوصَد على طفولةٍ سرقناها ونحن نتفرج. والاختيار ليس بين المنع والانفتاح، بل بين الوعي والغفلة، بين أن نُربّي أبناءنا على استخدام الشاشة، أو أن تربي الشاشة أبناءنا بدلاً عنا.


