يمثل قرار إلغاء حظر استيراد الغذاء ورفع الرسوم الجمركية عن السلع الأساسية، الذي أعلنه رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، استجابةً لضغوط المعيشة في ظل الحرب وتداعياتها الاقتصادية. غير أن أثر القرار يتجاوز تخفيف أعباء الأسواق إلى سؤال قومي جوهري: كيف يمكن معالجة أزمة الغذاء الراهنة دون إضعاف قدرة البلاد على الإنتاج مستقبلاً؟
قد يسهم توسيع الاستيراد وتخفيف الأعباء الجمركية في توفير السلع الأساسية بأسعار مناسبة، لكن نجاح هذه الخطوة يظل رهيناً بفاعلية الرقابة على الأسواق، ومنع الاحتكار، وضمان انتقال أثر الإعفاءات إلى المستهلك.
في المقابل، لا يمكن تحقيق أمن غذائي مستدام بالاعتماد على الأسواق الخارجية وحدها، في ظل تقلبات الأسعار العالمية وتكاليف الشحن. وهنا تبرز أهمية مشروع الجزيرة، أحد أكبر المشروعات الزراعية المروية في السودان، لما يمثله من ثقل في الإنتاج الزراعي والاقتصاد الوطني.
يواجه المشروع تحديات التمويل والري وتوفير مدخلات الإنتاج وإعادة تأهيل البنية التحتية، بما يحد من قدرته على استثمار إمكاناته الزراعية. فالمزارع يحتاج إلى تمويل في الوقت المناسب، ومياه منتظمة، وبذور وأسمدة ووقود بأسعار معقولة، وهي متطلبات لا تتحقق بإعلان أولوية الزراعة، بل بسياسات عملية تضمن استقرار العملية الإنتاجية.
ومن هذه الزاوية، يتوقف أثر قرار الاستيراد على ولاية الجزيرة على كيفية تنفيذه والسياسات المصاحبة له. فإذا استهدف سد الفجوات الغذائية، فقد يخفف الضغط على المستهلك، أما إذا تدفقت الواردات بما ينافس المحاصيل المحلية دون مراعاة تكاليف إنتاجها وظروف تسويقها، فقد تتراجع جدوى الزراعة وتتزايد خسائر المزارعين، بما يهدد استمرارهم في الإنتاج.
ولا ينبغي وضع مصلحة المستهلك في مواجهة مصلحة المزارع؛ فكلاهما جزء من معادلة الأمن الغذائي. فالمواطن يحتاج إلى غذاء متاح بسعر مناسب، والمزارع يحتاج إلى سوق يضمن عائداً يغطي تكاليفه ويشجعه على مواصلة الإنتاج. ويتطلب تحقيق هذا التوازن تنظيم الاستيراد وفقاً للفجوات الفعلية، ومراقبة الأسعار، وتوفير التمويل الزراعي، وتأهيل قنوات الري، وخفض تكلفة الإنتاج المحلي.
وتحتاج ولاية الجزيرة إلى تدخلات عاجلة لاستعادة القدرة الإنتاجية لمشروع الجزيرة، تبدأ بمعالجة اختلالات الري وتوفير التمويل قبل انقضاء المواعيد الزراعية، وتمتد إلى تسهيل تسويق المحاصيل وحماية المنتجين من الخسائر. كما يتطلب الأمر تنسيقاً بين سياسات التجارة والزراعة والتمويل، حتى لا تتحول معالجة نقص الغذاء اليوم إلى عامل يضعف الإنتاج في المواسم المقبلة.
إن الرهان القومي ليس المفاضلة بين الاستيراد والإنتاج المحلي، بل توظيف الاستيراد لسد العجز بالتوازي مع بناء قاعدة إنتاجية تقلل الاعتماد على الخارج. فقد يسهم الاستيراد في تخفيف أعباء المعيشة، لكن استدامة الأمن الغذائي تبدأ من الحقول، حيث تتحدد قدرة البلاد على توفير غذائها وحماية مواردها الاقتصادية.
ويضع قرار الاستيراد ولاية الجزيرة أمام اختبار يتجاوز أسواقها إلى مستقبل الأمن الغذائي في السودان؛ فمشروع الجزيرة ركيزة إنتاجية ترتبط بها مصالح المزارعين ومعاش الأسر والاقتصاد الوطني، واستعادة عافيته تتطلب قرارات عملية تعالج تحديات التمويل والري وتضمن جدوى الإنتاج.


