37.8 C
Khartoum
السبت, أكتوبر 24, 2026

البرهان.. حين تكون الزعامة أكبر من السلطة وأبقى من الانتصار ✍️ د. الشاذلي عبداللطيف **«شكرا يا زعيم.. جبرت خاطر شعبك»**

إقرأ ايضا

حين تتعرض الأوطان لامتحانات الوجود، لا يعود السؤال من يحكم، وإنما من يمتلك القدرة على حماية الدولة من الانهيار، ومن يستطيع أن يقودها من ضيق الحرب إلى رحابة السلام، ومن يملك شجاعة البندقية وحكمة القرار وإنسانية القلب في آن واحد.

فالأوطان لا تنقذها الرتب وحدها، ولا الشعارات مهما ارتفعت، وإنما تنقذها عقول تعرف كيف تدير الأزمات، ونفوس تتسع للخلاف، وإرادات لا تنكسر أمام العواصف، وضمائر تدرك أن كرامة المواطن هي الغاية الكبرى من وجود الدولة.

قلت من قبل، وأقولها اليوم: السودان لا يحتاج إلى رئيس تقليدي تحكمه المراسم وتحيط به الحواجز، وإنما إلى زعيم من طينة نادرة، شفت ومقرم ومجدجدها، يعرف دروب السياسة كما يعرف تضاريس الميدان، ويقرأ حركة المجتمع كما يقرأ خرائط العمليات، ويدرك أن أخطر المعارك ليست دائما تلك التي تدوي فيها المدافع، بل التي تدور في عقول الرجال ومصائر الشعوب.

السودان يحتاج إلى رجل واسع الصدر، حليم لا يستفزه الغضب، قوي لا تستدرجه القوة إلى الغرور، يصبر على القرار حتى تنضج أسبابه، فإذا حانت ساعته مضى دون تردد. يعرف كيف يحفر بالإبرة، وكيف يلعب بالبيضة والحجر، وكيف يوازن بين ما تفرضه اللحظة وما يقتضيه المستقبل.

وفي تقديري، فإن الفريق أول عبدالفتاح البرهان يقف أمام فرصة تاريخية ليجسد هذه المعاني في مرحلة لم تعرف فيها بلادنا امتحانا أشد قسوة وتعقيدا.

إن القيادة العسكرية الرشيدة لا تنظر إلى الحرب بوصفها غاية، وإنما باعتبارها أداة لحماية الدولة حين تتعرض سيادتها وأمنها للخطر. والانتصار الحقيقي لا يقاس بما يتحقق في ساحات القتال فحسب، بل بقدرة القيادة على تحويل التضحيات إلى سلام مستدام، وسيادة محترمة، ومؤسسات قادرة على حماية الوطن بعد أن تصمت البنادق.

فالجندي يقاتل دفاعا عن الأرض، والقائد يدير المعركة حفاظا على الدولة، أما الزعيم فينظر إلى ما وراء الميدان، ويسأل نفسه: أي وطن سنترك لأبنائنا عندما تتوقف الحرب؟

وهنا تتلاقى ضرورات الأمن مع حكمة السياسة. فلا أمن بلا دولة قوية، ولا دولة قوية بلا عدالة، ولا عدالة في ظل سلاح يتعدد خارج المؤسسات الشرعية. ومن ثم فإن توحيد المؤسسة العسكرية، وإعادة بناء الأجهزة النظامية على أسس المهنية والانضباط، واستقلال القضاء، وسيادة القانون، ليست شعارات للمرحلة المقبلة، بل شروط أساسية لبقاء السودان موحدا.

غير أن الأمن في معناه الأعمق لا يبدأ من الثكنات وحدها، وإنما من شعور المواطن بأن حياته وحقوقه وكرامته مصونة. فالدولة التي تحرر الأرض ثم تعجز عن حماية الإنسان لم تستكمل واجبها، والسلطة التي تستعيد المدن ولا تعيد الطمأنينة إلى البيوت تظل أمام نصف انتصار.

أما السياسة، فإنها فن إدراك الممكن دون التفريط في المبادئ، ومهارة تحويل الخصومة إلى تنافس سلمي، والصراع إلى تفاهم، والانتصار إلى مسؤولية. والزعيم الناضج هو الذي يعرف أن التسامح ليس ضعفا، وأن مراجعة القرار الخاطئ ليست هزيمة، وأن فتح أبواب السلام لا يعني إسقاط حقوق الضحايا أو تجاوز مقتضيات العدالة.

والسودان يحتاج إلى قيادة تدرك أن المستقبل لا يبنى بروح الانتقام، ولا بالمصالحة الشكلية التي تخفي الجراح، وإنما بمشروع وطني يجمع بين المحاسبة والإنصاف، ويعيد الثقة إلى مؤسسات الدولة، ويفتح الطريق أمام حكم دستوري يحفظ الحقوق ويضمن انتقال السلطة بإرادة الشعب.

وللزعامة وجه إنساني لا تصنعه الكليات العسكرية، ولا تمنحه المناصب الرفيعة.

أن يجلس القائد بين جنوده، يشاركهم الشاي والحديث، ويعرف أسماء بعضهم وأحزانهم وأحلامهم. أن يمشي في الأسواق، ويسمع شكوى البسطاء دون وسيط، وأن يعرف أن وراء كل نافذة بيتا يحمل قصة صبر، ووراء كل وجه متعب وطنا ينتظر الفرج.

وأن يكون أبا يذوق مرارة الفقد، ثم يمضي حاملا وجعه الخاص إلى ساحة المسؤولية العامة، فذلك وجه من وجوه الصبر الإنساني الذي يجعل القيادة تكليفا ثقيلا لا امتيازا مريحا.

لكن السودان اليوم ينتظر ما هو أكبر من صورة القائد القريب من جنوده. ينتظر زعيما قريبا من هموم شعبه، لا يطمئن إلى أرقام التقارير قبل أن يطمئن إلى أحوال الناس، ولا يكتفي باستعادة المدن حتى تستعاد فيها الحياة.

يريد المواطن السوداني أن يجد الخبز والدواء، وأن يعود النازح إلى داره، وأن يسترد الموظف والمتقاعد كرامة العيش، وأن يزرع الفلاح أرضه دون خوف، وأن يفتح التاجر متجره دون تهديد، وأن يعود الطفل إلى مدرسته لا إلى معسكر نزوح جديد.

فمعاش الناس ليس ملفا اقتصاديا هامشيا، بل هو قلب الأمن القومي، والعدل ليس زينة للحكم، بل أساس شرعيته، وجبر الخواطر ليس عبارة عاطفية، بل مسؤولية دولة تجاه شعب دفع من دمه وصبره ما يكفي.*

ومن هنا فإن الرهان الأكبر على البرهان ليس أن يقود السودان في زمن الحرب فحسب، وإنما أن يسهم في إخراجه منها إلى دولة المؤسسات، وأن ينصف من سبقوه، ويعيد الاعتبار للكفاءات التي ظلمت، ويحفظ حقوق الشهداء والمصابين، ويؤسس لمستقبل لا تكون فيه الدولة رهينة للأشخاص مهما علت مقاماتهم.

إن القائد الذي ينجح في حماية وطنه من السقوط يؤدي واجبا عظيما، ولكن الزعيم الذي يبني من المؤسسات ما يحول دون سقوط الوطن مرة أخرى، يترك أثرا يتجاوز عمره وعمر سلطته.

**وأخيرا.. يا برهان،**

سيأتي يوم تنتهي فيه الحرب، وتسكت المدافع، وتطوى خرائط العمليات، وتعود الجيوش إلى ثكناتها، ويجلس المؤرخون لكتابة ما جرى.

ولن يكون السؤال الأهم يومها كم معركة كسبنا، وإنما أي سودان استطعنا أن نبني بعد كل تلك التضحيات.

هل عادت الأم إلى بيتها مطمئنة؟ هل وجد الأب ما يطعم به أبناءه؟ هل استرد المظلوم حقه؟ هل عاش الجندي مكرما بعد أن أدى واجبه؟ وهل أصبحت الدولة أقوى من أزماتها، وأعدل مع مواطنيها، وأكثر أمنا للأجيال القادمة؟

هناك، عند تلك الأسئلة، يبدأ الحساب الحقيقي للتاريخ.

*يا برهان.. إن أعظم هدية يمكن أن تقدمها للسودان ليست نصرا تنتهي عنده الحرب، وإنما وطنا تنتهي فيه أسباب الحروب، ودولة لا يخاف فيها المواطن من الغد، ولا يحتاج فيها الضعيف إلى صاحب نفوذ حتى ينال حقه.*

فاصنع مع شعبك ذلك المستقبل الذي يصبح فيه السلام ثمرة للقوة، والعدل عنوانا للسلطة، والكرامة حقا للجميع.

وعندها، حين يعود النازح إلى بيته، والجندي إلى أسرته، والطفل إلى مدرسته، وحين يجد المواطن البسيط طعامه وأمانه وكرامته، ستكون العبارة التي بدأنا بها أصدق وأعمق من كل خطب المديح:

**«شكرا يا زعيم.. جبرت خاطر شعبك».**

فالتاريخ قد يذكر القائد لأنه انتصر في الحرب، لكنه يخلد الزعيم الذي استطاع أن ينتصر للإنسان، ويترك وراءه دولة أقوى من الرجال، ووطنـا أكبر من السلطة، ومستقبلا أكثر رحمة من الماضي.

*ذلك هو السودان الذي يستحق أن نحلم به، وتلك هي المسؤولية التاريخية التي نرجو أن ينهض بها البرهان.*

**السودان أولا.. جيش واحد، شعب واحد، وطن واحد.**

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة