يقف السودان اليوم على عتبة مرحلةٍ مفصليةٍ لم يشهد لها مثيلاً في تاريخه الحديث، مرحلةٍ لا تقبل أنصاف المواقف ولا ضبابية الرؤى، بل تفرض على الجميع أن يختار بوضوحٍ بين أن يكون مع الوطن أو ضده، بين أن يكون مع بقاء الدولة أو مع مشروع تمزيقها وتفتيتها.
لقد مضت سنواتٌ طويلةٌ والسودان يراوح مكانه مراوحةً مؤلمةً، تكبله اتفاقياتٌ هشةٌ، وتثقله مبادراتٌ مفخخةٌ، وتستنزفه نخبٌ سياسيةٌ لم تتعلم من دروس الماضي شيئاً، حتى جاءت هذه الحرب لتكشف الغطاء عن كل شيءٍ، وتضع الحقيقة عاريةً أمام أعين الناس، فلا مجال اليوم للكذب ولا للتزييف ولا للمتاجرة بشعاراتٍ جوفاء.
إن ما يجري الآن ليس مجرد معركةٍ عسكريةٍ عابرةٍ، بل هو مخاضٌ عسيرٌ لولادة سودانٍ حديث، سودانٍ خالٍ من الابتزاز السياسي ومن لعبة المحاصصة ومن هيمنة السفارات، سودانٍ يعتمد على سواعد أبنائه لا على وعود الخارج، وعلى موارد شعبه لا على منحٍ مشروطةٍ تذل الرقاب.
ولكي يتحقق هذا التحول التاريخي تحولاً حقيقياً، فإن المطلوب قرارٌ وطنيٌ شجاعٌ يقطع الطريق أمام كل من يريد إعادة عقارب الساعة إلى الوراء،كل من يريد تمكين العملاء والخونة من رقابنا وقرارٌ يضع القوات المسلحة في مكانها الطبيعي كحامٍ للسيادة وحارسٍ للتحول، وقرارٌ يضع الاقتصاد في مساره الصحيح بتحريره من قبضة السماسرة والمحتكرين، وقرارٌ يعيد للمواطن ثقته بأن الدولة موجودةٌ وقادرةٌ على حمايته وتوفير لقمة عيشه بكرامةٍ.
لقد دفع الشعب السوداني ثمناً باهظاً من دمه ودموعه ونزوحه، وهذا الثمن وحده كفيلٌ بأن يجعل العودة إلى ما قبل الحرب مستحيلةً، فلا مكان بعد اليوم لمن باع الوطن بثمنٍ بخسٍ، ودراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين ولا مكان لمن تآمر عليه في الظلام، ولا مكان لمن يريد أن يفرض عليه وصايةً جديدةً باسم الديمقراطية الزائفة.
إنها لحظة الحقيقة، فإما أن نعبر إلى المستقبل عبوراً يليق بتضحيات الشهداء الذين رووا بدمائهم الطاهرة تراب هذا الوطن، وإما أن نبقى أسرى لذات الدائرة الخبيثة التي أهلكتنا دهراً طويلاً، فاستنزفت أعمارنا وأحلامنا وتركتنا نلوك الحزن جيلاً بعد جيلٍ.
والتاريخ لا يرحم المترددين، ولا يغفر للجبناء الذين خذلوا وطنهم عند المنعطف الأخطر، وإن الشعوب التي تبكي اليوم قهراً، قد تلعن غداً كل يدٍ مرتعشةٍ لم تمتد لتحميها، وكل قلبٍ ميتٍ لم يشعر بأنينها، فالوطن يمضي بمن يضحي، ويسقط من حسابه كل من تردد وباع وخان.
meehad74@gmail.com


