ثمة من يظن أن بإمكانه إيقاف زحف التاريخ بطائرة مسيّرة، أو تعطيل إرادة جيش يتقدم على الأرض بتفجير محطة كهرباء أو استهداف مستودع وقود! وهذا هو الوهم الذي تعيش عليه المليشيا ومن يقف خلفها، فحين تضيق بها ميادين المواجهة، وتتكشف خسائرها، وتعجز عن مجاراة تمدد القوات المسلحة وانفتاحها الكبير في مسارح العمليات، تبحث عن معركة بديلة، لا لتنتصر فيها، وإنما لتصنع ضجيجاً يغطي على ما يجري في الميدان
ما نشهده من تصعيد باستخدام المسيرات واستهداف المنشآت الحيوية هو محاولة لنقل المعركة من جبهات القتال إلى حياة المواطن، ومن مواجهة القوات المسلحة إلى محاصرة معاش الناس وخدماتهم، يريدون للكهرباء أن تنطفئ، وللوقود أن ينحسر، وللأزمات أن تتفاقم، حتى يتحول ضيق المواطن إلى ضغط على الدولة، وكأن إحراق الخدمات يمكن أن يمنحهم ما عجزوا عن تحقيقه في ميادين المواجهة!
لكنهم ينسون أن الحروب لاتقيم بعدد المسيرات التي تحلق في السماء، ولا بحجم الدخان الذي تصنعه الانفجارات، وإنما بما يتحقق على الأرض من تقدم وثبات وسيطرة، والقوات المسلحة تمضي في انفتاح وتمدد كبيرين، وتعيد رسم المشهد الميداني، بينما تحاول هذه الهجمات تشتيت الانتباه عن التطورات العسكرية، وإشغال الرأي العام بمعارك جانبية، وصناعة صورة إعلامية توحي بأن زمام المبادرة ما زال بأيديهم
هنا تكمن المفارقة مجنزرات تتحرك على الأرض، ورجال يحملون أرواحهم على أكفهم، وهامات لا تنحني أمام العواصف، في مقابل مسيرات تستهدف محطات الكهرباء ومستودعات الوقود ومرافق الحياة، هناك معركة تُخاض على الأرض، وهناك محاولات لنقل آثارها إلى بيوت المواطنين وأسواقهم ومصادر معاشهم، ولكن استهداف حياة الناس ليس انتصاراً عسكرياً، وإشعال الأزمات لا يصنع نصراً، مهما علا ضجيج المسيرات في السماء
والأكثر إيلاماً أن يتحول بعض أبناء الوطن إلى أدوات في مشروع يستهدف وطنهم ومقدرات شعبهم، في حين أن الذين اختاروا الانسلاخ عن المليشيا والعودة إلى صف الوطن أدركوا أن الشعارات التي رُفعت لم تكن سوى ستار لمعركة دفعت البلاد ثمنها دماً ودماراً ونزوحاً وفقداً، أما من لا يزالون أسرى ذلك الوهم، فعليهم أن يدركوا أن الوطن ليس ساحة لتصفية حسابات الآخرين، وأن ضرب بنيته التحتية لا يعاقب حكومة وحدها، بل يصيب ملايين السودانيين في حياتهم وأرزاقهم وأمنهم
ولعل صورة أصحاب الفيل هي أقرب الصور إلى هذا المشهد؛ فقد جاء أصحاب الفيل بقوتهم ومنجنيقهم، ظانين أن ما يحملونه من أسباب البطش كفيل بفتح الطريق أمامهم، لكن إرادة الله كانت فوق حساباتهم، فجاءت الطير الأبابيل بحجارة من سجيل، واليوم نستحضر هذه الصورة في مشهد المسيرات والمجنزرات، فمسيراتهم مهما أحدثت من ضجيج وخراب لن تمحو حقيقة ما يجري على الأرض، ومسيرات القوات المسلحة، بما تمثله من أدوات وقدرات، جزء من منظومة مواجهة تتكامل مع عزيمة الرجال وثباتهم
إن استهداف محطات الخدمات قد يعطل الحياة لبعض الوقت، لكنه لا يستطيع أن يعطل إرادة شعب، وقد تصنع المسيرة دخاناً كثيفاً في السماء، لكنها لا تستطيع أن تحجب مشهداً تتقدم فيه القوات المسلحة على الأرض ، السودان ليس محطة كهرباء يمكن إطفاؤها، ولا مستودع وقود يمكن استهدافه، ولا خريطة مواقع يمكن تمزيقها، السودان إرادة شعب وتاريخ أمة وذاكرة لا تنطفئ
إني من منصتي أنظر… حيث أرى…. أن المجنزرات لا تتراجع أمام ضجيج المسيرات، وأن عزيمة الرجال لا تطفئها نيران الطائرات، وأن تراب هذا الوطن الذي ارتوى بدماء أبنائه لن يكون غنيمة لمن استباحوه. فليحشدوا مسيراتهم ما استطاعوا، وليصنعوا من الدخان ما أرادوا، فليس كل من امتلك السماء امتلك الأرض، وليس كل من أحدث انفجاراً صنع انتصاراً… وسيبقى الفيل في حساباتهم، والأبابيل في ذاكرة التاريخ، وبينهما عبرة لا يقرؤها إلا من عرف أن للباطل جولة، وللحق موعداً!.


