معلوم أن المياه أصبحت قضية مهمة، تتصل بالأمن القومي والاستقرار الاجتماعي والغذائي، وبقدرة الدول على حماية مواردها وتحويلها إلى قوة إنتاج وتنمية. وفقًا لذلك ، تكتسب مذكرة التفاهم التي وقّعها السودان ومصر في القاهرة، الاثنين 2 نوفمبر 2026، بشأن تنفيذ مشروعات تنموية في مجال الموارد المائية بالسودان، أهمية استراتيجية تفتح أفقاً أوسع أمام إعادة بناء الشراكة المائية بين البلدين، على أساس المصالح المتبادلة وتكامل الإمكانات والخبرات، في مواجهة تحديات الأمن المائي والتنمية المستدامة.
تشمل المذكرة تأهيل منشآت مائية تضررت بالحرب، وفي مقدمتها خزان جبل الأولياء، والحماية من الفيضانات، وحفر منشآت حصاد مياه الأمطار، وإنشاء محطات مياه جوفية تعمل بالطاقة الشمسية، ومقاومة الحشائش المائية، إلى جانب التدريب وبناء القدرات وتبادل الخبرات. وهي تأتي امتدادًا للتنسيق الثنائي في قضايا المياه، وتنفيذًا لمخرجات اجتماع اللجنة التنسيقية العليا لموضوعات المياه بين البلدين في فبراير الماضي.
في تقديري تكمن قيمة هذه الخطوة بمدى استجابتها للاحتياجات السودانية الفعلية، وقدرتها على الانتقال من التفاهمات إلى التنفيذ الفعلي علي الأرض. فالسودان يواجه تحديًا مركبًا، منشآت مائية تحتاج إلى التأهيل، ومجتمعات ريفية تفتقر إلى مصادر مستقرة للمياه، وقطاع زراعي يحتاج إلى بنية أساسية تعزز الإنتاج وتحد من آثار التغيرات المناخية والحرب.
وفي هذا السياق، لابد من التنبيه إلى غياب برنامج واضح لإعادة تأهيل سدود حصاد المياه، التي توقفت صيانتها منذ عام 2019، بحسب المصادر. فهذه المنشآت، تمثل شريان حياة لمجتمعات واسعة، توفر المياه للإنسان والحيوان، وتدعم الزراعة والرعي، وتخفف التنافس على الموارد، بما يسهم في الحد من النزاعات المحلية وتهيئة الظروف لعودة النازحين واستقرارهم. لذلك فإن إدراجها ضمن أولويات التعاون سيكون إضافة تنموية ذات أثر مباشر لعودة الحياة للريف السوداني.
وعلى مستوى الرؤية الاستراتيجية بين البلدين، يمكن أن تتجاوز الشراكة حدود صيانة المنشآت القائمة إلى دراسة فرص الاستثمار في المشروعات المائية الكبرى، بما فيها سدود كجبار ودال والشريك على مجرى النيل.
تتيح هذه المشروعات فرصاً لتوليد الكهرباء وتعزيز أمن الطاقة، لكنها تتطلب دراسات فنية واقتصادية وبيئية واجتماعية محدثة تواكب المتغيرات. ورغم ما تضمنته الدراسات السابقة من تدابير للحد من آثار التهجير وإعادة التوطين وحماية الآثار والبيئة، تظل الحاجة قائمة لتطوير هذه المعالجات، وإشراك المجتمعات المتأثرة، وضمان التعويض العادل وتأمين سبل العيش، استناداً إلى دروس التجارب الماضية .
وتقدم تجربة سد ومحطة جوليوس نيريري في تنزانيا نموذجًا مهمًا لما يمكن أن تتيحه القدرات التنفيذية المصرية في مشروعات البنية التحتية الكبرى. فقد نفذ التحالف المصري، المكون من شركتي المقاولون العرب والسويدي إليكتريك، المشروع بقدرة توليدية بلغت 2115 ميغاواط، بمشاركة المهندسين والفنيين المصريين بجانب العمال. وقد موّلت الحكومة التنزانية المشروع، بينما تولى التحالف المصري التنفيذ، بما يكشف عن خبرة هندسية وتنفيذية يمكن الاستفادة منها في مشروعات السودان.
هذا بالنظر إلى أن السودان راكم خبرات وطنية ومؤسسية مهمة في المجال، من خلال إنشاء سد مروي، وتعلية خزان الروصيرص، وتنفيذ سدي أعالي عطبرة وستيت، إلى جانب سدود حصاد المياه. وهذه الخبرة ينبغي أن تكون جزءًا أصيلًا من أي تعاون مقبل. فالشراكة المنشودة ليست نقلًا للخبرة في اتجاه واحد، ولا علاقة بين مانح ومتلقٍ، بل تفاعل بين خبرة سودانية متراكمة وقدرات تنفيذية واستثمارية مصرية، بما يعزز الكفاءة المشتركة ويبني القدرات الوطنية ويحفظ استقلال القرار التنموي.
ولعل الأهم أن تتيح هذه المذكرة فرصة لإعادة تعريف التكامل السوداني المصري على أسس أكثر واقعية ونضجًا، قوامها المصالح المشتركة وتكامل الأدوار وتبادل الخبرات، بالنظر الي التجارب السابقة. فالتكامل الحقيقي لا يقوم على النفوذ أو التبعية، وإنما على قدرة كل طرف على الإسهام بما يملك وتحقيق ما يحتاج، مع احترام السيادة الوطنية وتوازن المصالح المشتركة. وهذا ما يتطلع إليه شعبا وادي النيل في علاقات مميزة تتجاوز المجاملات السياسية إلى مشروعات تنموية ملموسة ومستدامة.
من زاوية #وجه_الحقيقة، لا يتحقق الأمن المائي بمجرد بناء السدود أو توقيع مذكرات التفاهم، بل بامتلاك رؤية وطنية تحدد كيف تُدار المياه، وأين تُستثمر، وكيف تتحول إلى إنتاج واستقرار وفرص حياة. وإذا إلتقت الخبرة المصرية مع الموارد والخبرات السودانية وتكاملت الإرادة السياسية والاقتصادية التنموية في إطار شراكة متكافئة، فقد تصبح هذه المذكرة بداية جيدة لمشروع استراتيجي حقيقي، لا يكتفي بإصلاح ما دمرته الحرب، بل يؤسس لمستقبل أكثر أمنًا وازدهارًا لشعبي وادي النيل.
دمتم بخير وعافية
الأربعاء 4 نوفمبر 2026 م. Shglawi55@gmail.com
#الأمن_المائي #المصالح_المشتركة #التكامل_السوداني_المصري #السيادة_المائية #إدارة_الموارد_المائية #التنمية_المستدامة #سدود_السودان #حصاد_المياه #أمن_الطاقة #إعادة_الإعمار
#السودان #مصر #إبراهيم_شقلاوي # حوض النيل


