إنه لمؤلمٌ حقاً أن نكتب عن جارٍ كان يفترض أن يكون شقيقاً، وأن نتحدث بحزنٍ عميقٍ عن دولةٍ كنا نتمنى لها الأمن والاستقرار، فتختار هي بإرادتها أن تكون خنجراً في خاصرة جارها، وأن تتحول من دولةٍ جارةٍ إلى دولةٍ متآمرةٍ، تدعم مليشيا مجرمةً تقتل أبناء السودان، وتنهب خيراته، وتدمر مدنه، وتشرد شعبه، وكأنها لم تتعلم من تاريخها، وكأنها لم تدرك أن ما تفعله اليوم سيدفع ثمنه شعبها غداً.
إن ما تفعله إثيوبيا في السودان ليس أمراً عابراً، ولا خطأً صغيراً يمكن تجاوزه، بل هو جرحٌ غائرٌ في قلب كل سودانيٍ، وطعنةٌ في ظهر أمةٍ كانت تقف معها في أوقات الشدة، فبدلاً من أن ترد الجميل بالجميل، ردته بالغدر، وبدلاً من أن تحفظ الجوار، خانت الجوار، وبدلاً من أن تنتبه لداخلها الذي يعاني الحروب والجوع والانقسام، ذهبت تبحث عن مجدٍ زائفٍ بدعم مليشيا لا تعرف إلا القتل والنهب والاغتصاب.
إن الحزن يزداد حين نرى أن إثيوبيا تسمح لأراضيها أن تكون ممراً للسلاح والمرتزقة، وتسمح لمليشيا الدعم السريع أن تجد فيها ملاذاً ودعماً وسنداً، وتغض الطرف عن كل الجرائم التي ترتكبها هذه المليشيا في السودان، وكأن دماء السودانيين لا قيمة لها، وكأن أرواح الأطفال والنساء والشيوخ لا تستحق حتى كلمة إدانةٍ واحدةٍ، وهذا الصمت المتواطئ ليس حياداً، بل هو مشاركةٌ كاملةٌ في الجريمة، وشراكةٌ في الدم، وشراكةٌ في الخراب.
ولذلك، لم يعد يكفي أن نشكو وأن نستنكر وأن نعبر عن حزننا، بل لا بد من أن نتحرك تحركاً قانونياً ودبلوماسياً مدروساً يضيق الخناق على إثيوبيا بالطرق القانونية والدبلوماسية، وأن نوثق كل ما تفعله، وأن نجمع الأدلة والمستندات والشهادات، وأن نرفعها إلى كل المنابر الدولية، إلى مجلس الأمن، وإلى الاتحاد الأفريقي، وإلى محكمة العدل الدولية، وإلى كل جهةٍ يمكن أن تحاسبها على ما تقترفه، لأن العالم اليوم لا يحترم إلا لغة القانون، ولا يستجيب إلا لمن يملك الدليل الدامغ والحجة القوية، والقدرة على إدارة المعركة الدبلوماسية بثباتٍ ولباقةٍ وحكمةٍ.
إن تضييق الخناق على إثيوبيا بالطرق القانونية والدبلوماسية ليس انتقاماً، بل هو حقٌ مشروعٌ للسودان، وهو واجبٌ على كل من يحب هذا الوطن، فالسودان دولةٌ ذات سيادةٍ، ومن حقها أن تدافع عن سيادتها بكل الوسائل المشروعة، ومن حقها أن تفضح كل من يدعم المليشيا، وأن تطالب بمحاسبته أمام القانون الدولي، وأن تمنع عنه أي غطاءٍ سياسيٍ أو دبلوماسيٍ، وأن تحرمه من أن يظهر أمام العالم بمظهر الدولة المسالمة بينما يده ملطخةٌ بدماء جيرانه، وأن تعزل موقفه في المحافل الدولية حتى يرتدع، ويعود إلى جادة الصواب.
إننا لا نريد لإثيوبيا الخراب، ولا نتمنى لشعبها الجوع، ولكننا نريدها أن تستيقظ من غفلتها، وأن تعلم أن دعم المليشيا لن يجلب لها إلا العزلة والخزي والعار، وأن تنفيذ أجندات الغير لن يجعلها دولةً عظيمةً، بل سيجعلها دولةً تابعةً ذليلةً، وأن من يتمادى في الخطأ حتماً سيحرق بالنار التي أشعلها بيده، وأن النار التي تساعد في إشعالها في السودان سترتد عليها، وستحرقها من الداخل قبل أن تحرق غيرها.
إننا نكتب هذا المقال وقلوبنا يعتصرها الحزن على ما وصلت إليه العلاقة بين بلدين كانا يفترض أن يكونا شقيقين، ونكتب ونحن نعلم أن السودان سينتصر مهما طال الطريق، وأن المليشيا ستهزم مهما كان من يدعمها، ولكننا نريد أن يكون النصر نصراً قانونياً وأخلاقياً وسياسياً ودبلوماسياً، نصراً يفضح كل متواطئٍ، ويحاسب كل مجرمٍ، ويضيق الخناق على كل من ساهم في تدمير السودان، حتى لا تتكرر المأساة مرةً أخرى، وحتى يعلم الجميع أن السودان ليس دولةً بلا صاحبٍ، وأن له رجالاً يحفظون حقه بالقانون، كما يحفظونه بالبندقية، ويحفظونه بالحجة كما يحفظونه بالدبلوماسية.
فيا إثيوبيا، عودي إلى رشدك قبل فوات الأوان، وانتبهي لداخلك قبل أن يبتلعك الداخل، وكفي يدك عن السودان، فإن السودان قد صبر كثيراً، والصبر له حدودٌ، وإن القانون سيكون هو الفيصل بيننا، وإن التاريخ سيسجل من كان مع الحق ومن كان مع الباطل، وسيأتي اليوم الذي تندمين فيه على كل ما فعلته، ولكن الندم حينها لن ينفعك، لأن النار التي أشعلتها بيدك ستحرقك قبل أن تحرق غيرك.
meehad74@gmail.com


