36.3 C
Khartoum
السبت, أغسطس 29, 2026

وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي حوار الجماهير… لا حوار النخب

إقرأ ايضا

من الواضح أن قيمة الحوار السوداني–السوداني تكمن في الغاية التي يُعقد من أجلها، فإن كان لإعادة اقتسام السلطة بين النخب، فلن يكون سوى إعادة تدوير للأزمة، أما إن كان لإعادة تأسيس الدولة ومعالجة جذور اختلالاتها، فهو ضرورة وطنية ملزمة. ومن هنا تكتسب اللجنة التيسيرية أهميتها، والتي قطعت شوطاً في المشاورات، وتتجه إلى توسيع تمثيل الأقاليم والقوى السياسية والمجتمعية، لتكون جسراً يفتح الطريق لحوار حقيقي، يستمد صدقيته من اتساع المشاركة، على أن تكون مآلاته بيد السودانيين.

ويمثل المؤتمر الصحفي المقرر الأحد 30 أغسطس، عند الثانية عشرة ظهراً بفندق السلام روتانا، محطة مهمة في هذا المسار، إذ سيخاطبه رئيس اللجنة التيسيرية البرفسور قاسم بدري وعدد من أعضاء اللجنة. فالمؤتمر ينقل المبادرة من دائرة الاجتماعات إلى الفضاء العام، ويضع أمام الرأي العام المحلي والإقليمي والدولي ملامح مشروع الحوار وأهدافه ومنهجيته ومعايير المشاركة فيه وضمانات و جودة عملياته.

وهنا في تقديري، تبدأ المرحلة الأهم، فمبادرة اللجنة لا تملك تفويضها مسبقاً، بل تبنيه بالممارسة. لذلك ليست مطالبة بإثبات أنها تمثل السودان، وإنما بإثبات قدرتها على فتح الطريق أمام السودانيين ليعبّروا عن أنفسهم. فالفرق جوهري بين تنظيم الحوار واحتكار تمثيله. وإعلان الشفافية والحياد ونزاهة المداولات يمثل نقطة قوة يجب تعزيزها والمحافظة عليها، لكنه يحوّلها أيضاً إلى استحقاق عملي: معايير اختيار المشاركين، إدارة الخلاف، توثيق المداولات، وإطلاع الرأي العام، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام المتحفظين دون أن يتحول التحفظ إلى إقصاء. وهذه ليست أسئلة تشكيك، بل شروط تحول المبادرة من فكرة إلى مسار وطني قابل للنجاح.

والجولات المرتقبة للجنة داخل السودان وخارجه تكون لها قيمة وازنة، إذا كانت للاستماع والتبشير بالحوار وتثبيت ضماناته، لا لاستيراد التوازنات أو طلب تفويض خارجي. فالانفتاح على الخارج قد يدعم السلام، لكنه لا ينقل حق السودانيين في تقرير مستقبلهم إلى عواصم أخرى.

وفي صميم ذلك، يجب أن يعني الحياد العدل في إدارة الحوار، لا مساواة كل المواقف ببعضها، فلا يُقصى أحد لمجرد اختلافه السياسي، ولا تُساوى الدولة بالتمرد، ولا تتحول الجرائم إلى أوراق للمساومة أو الابتزاز. فالخلاف السياسي مكانه الحوار، والجرائم مكانها القانون والعدالة.

ومن المؤشرات الإيجابية قرار الحكومة مراجعة قضايا المتهمين بالتعاون مع الدعم السريع، والتمييز قانونياً بين من شارك في القتال ومن وجد نفسه في مناطق تحت سيطرته. وإذا أُنجزت المراجعة وفق القانون، فإنها تؤسس للفصل بين المسؤولية الجنائية والموقف السياسي، والمحاسبة والعقاب الجماعي. فالقاعدة: لا حصانة للجريمة، ولا تجريم للموقف السياسي.

وفي السياق ذاته، فإن التحولات في مواقف بعض القوى، ومنها حديث د. مريم الصادق المهدي عن أهمية الانتقال من إعلان المواقف إلى صناعة السلام، ومراجعة تصنيف القوى المدنية وبناء الثقة، قد تفتح الطريق لمشاركة أوسع. وربما قاد ذلك إلى التحاق حزب الأمة بالحوار، إذا جرت مقاربات وفقا لذلك ،فسيكون مهماً لا لمنحه غنيمة ، بل لتوسيع دائرة المشاركة وكسر الاصطفاف الحاد وإعادة السياسة إلى فضائها الوطني.

وهنا جوهر المسألة: لا جهة سياسية تختزل السودان، ولا تحالف يملك وحده حق تمثيله، فالسودان أكبر من الأحزاب والاصطفافات . لذلك فإن حوار الجماهير لا حوار النخب، يمثل معياراً للنجاح ، فالمواطن الذي دفع كلفة الحرب هو من ينتظر نتائج السلام، لا عدد الحاضرين حول الطاولة.

الحوار الناجح ليس صفقة لتقاسم السلطة، بل فرصة لإعادة تأسيس الدولة، فالحرب كشفت اختلالات في علاقة المركز بالأقاليم، وإدارة التنوع، والعلاقة المدنية – العسكرية، وبناء المؤسسات، والتدخل الخارجي. لذلك يجب أن يواجه الحوار قضايا الجيش، ودور الإسلاميين، وشكل الحكم، وعلاقة المركز بالأقاليم، والعدالة الانتقالية، والتدخل الخارجي.

وفي المقابل، ثمة ثوابت لا ينبغي أن تكون محل مساومة: وحدة السودان، إنهاء الحرب، جيش وطني واحد، والعدالة. أما التنافس على السلطة والثروة والتمثيل فمكانه السياسة لا البندقية والتهميش يُعالج بدولة عادلة وتنمية متوازنة وتمثيل حقيقي. فالمطلوب حوار يؤسس للدولة، لا يقتسمها.

وهذا يقتضي مسارين متوازيين: مساراً أمنياً ينهي القتال ويحمي الدولة والمواطن، ومساراً سياسياً يعالج جذور الأزمة ويؤسس لمرحلة جديدة.

فلا وقف إطلاق النار وحده يصنع سلاماً، ولا اتفاق سياسي يصمد ما لم تُعالج أسباب الحرب. والخطر أن يتحول الحوار نفسه إلى ساحة للصراع، بالمحاصصة أو المقاطعة أو استدعاء الخارج. لذلك يجب أن ينقل الجميع من منطق الغلبة إلى منطق الدولة: حوار مفتوح، وقرار سوداني، ومعايير وطنية، وغاية تتجاوز اقتسام النفوذ إلى إنهاء الحرب وبناء دولة تستوعب اختلاف مواطنيها دون أن ترهن مستقبلها للخارج.

والسؤال الأهم بحسب #وجه_الحقيقة ليس من يدخل الحوار، بل أي سودان نريد بعد الحرب؟ سوداناً تحتكر فيه الدولة القوة، وتحسم السياسة بالمؤسسات، ويُعالج التهميش بالعدالة والتنمية، ويُصان القرار الوطني. فنجاح الحوار لا يُقاس بعدد النخب حول الطاولة، بل بما يغيّره في حياة الناس: إنهاء الحرب، عودة النازحين، تحقيق العدالة، وبناء الدولة. لذلك يجب أن يكون الحوار صوت الجماهير لا صفقة النخب ،فهي من دفعت كلفة الحرب، وهي صاحبة الحق في تقرير مستقبل البلاد .
دمتم بخير وعافية.
السبت 29 أغسطس 2026 م Shglawi55@gmail.com

#الحوار_السوداني #الحوار_السوداني_السوداني #حوار_الجماهير #بناء_الدولة #السلام_في_السودان #وحدة_السودان #القرار_الوطني #العدالة_الانتقالية #إنهاء_الحرب #إبراهيم_شقلاوي

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة