41 C
Khartoum
الأحد, أغسطس 30, 2026

الراتب.. قضية «ترند» أم قضية اقتصاد؟ بقلم: محاسن عثمان نصر

إقرأ ايضا

في السودان، كثيراً ما نرفع الغبار حول التفاصيل حتى يغيب المشهد. يظهر رقم، فتشتعل المنصات؛ تُنشر معلومة، فتتحول إلى قضية رأي عام؛ يرتفع الصخب، ثم يخفت، بينما تبقى الأسئلة الكبرى في مكانها، تنتظر من يطرحها.

ومن هنا جاء الجدل حول راتب محافظ بنك السودان المركزي وامتيازاته.

البنك المركزي مؤسسة كبيرة، ولها مبرراتها في تحديد استحقاقات منسوبيها وفق الجهد المبذول، والعائد من تلك الجهود، وتأثيرها على الاقتصاد القومي.

لكن كل منفعة تُمنح من خزينة الدولة يجب أن يكون أساسها معلوماً، وسندها واضحاً، وقابلاً للمراجعة. وفي المقابل، تقتضي العدالة المهنية ألا تتحول الأرقام المتداولة إلى أحكام قاطعة قبل التحقق من مصادرها ووثائقها وأسانيدها القانونية.

إن كانت الأرقام صحيحة، فلتُعرض الوثائق أمام الناس. وإن كانت هناك امتيازات لا يسندها قانون، فلتُراجع. وإن كان كل ما ورد مستنداً إلى عقد وقرار نافذين، فليُشرح للرأي العام: لماذا؟ وكيف؟ وفي أي ظرف اقتصادي أُقرا؟
هذه هي المساءلة الحقيقية، لا محكمة المنصات.

لكن الخطر الأكبر أن ينحصر النقاش كله في راتب المحافظ، وكأن أزمة الاقتصاد السوداني بدأت من كشف راتب، وستنتهي بإلغائه أو إقالة المستفيد منه. ذلك اختزال لا يليق بحجم الكارثة الاقتصادية في السودان.

السؤال الأهم ليس: كم يبلغ راتب المسؤول؟
بل : ماذا فعلت السياسات النقدية بقيمة الجنيه؟ وكيف يمكن استعادة الثقة في الجهاز المصرفي؟ وما الذي يُفعل لاحتواء التضخم، وتحريك الإنتاج، ودعم الصادرات، وضبط سوق النقد الأجنبي؟

هذه الأسئلة قد لا تصنع انتشاراً سريعاً، لكنها تمس حياة ملايين السودانيين أكثر من أي رقم منفرد. فالمواطن يقف يومياً، مراقباً ومغلوباً على أمره، أمام تأرجح سعر الصرف صعوداً وهبوطاً، بينما تتآكل قيمة راتبه، وتتسع الفجوة بين دخله وتكاليف المعيشة.

فمثلا” حين أُعلن خفض سعر أسطوانة الغاز إلى خمسة وثمانين ألفاً، لم يكن ذلك الإعلان حدثا” سعيدا”، إذ لم ينعم بها كثيرون بسبب عجز الرواتب، قبل أن يهرول سعرها مجدداً إلى الارتفاع. وكذلك الحال في أسعار الوقود، التي تنعكس على كل سلعة وخدمة.

أما الذهب، فعامة السودان لا يبالون كثيراً بارتفاع سعره أو انخفاضه؛ لأنهم لا يرون أثر ثروات البلاد في حياتهم، ولا يجدون منها ما يخفف عنهم وطأة الغلاء.

لتحقيق الإصلاح المنشود يحتاج البنك المركزي إلى وضوح في الرؤية، واستقلال في القرار، وكفاءة في الإدارة، وانضباط في التواصل. وهذه مسؤولية مؤسسة كاملة، لا شخص واحد.

أما الحديث عن الفوارق في الرواتب بين مختلف القطاعات، من المعلمين والأطباء والجنود والعمال، فهو يلامس وجعاً حقيقياً في مجتمع أنهكته الحرب، لكنه ينبغي أن يقود إلى قضية أكبر: إصلاح منظومة الأجور كلها، وربطها بالعدالة والقدرة الاقتصادية، لا صناعة خصومة بين فئات الدولة.

فالسوداني لا يريد أن ينتصر في معركة «ترند»؛ يريد أن ينتصر على الغلاء.

وهنا تكمن المفارقة المؤلمة. بينما ننشغل بتفاصيل قابلة للجدل، يعيش العالم مشاهد تذكّرنا بهشاشة الإنسان أمام الكوارث. في الجزائر كشفت الحرائق عن حجم الفقد حين تلتهم النيران الأرض والبيوت وسبل العيش، وفي نيبال جاءت الفيضانات والانهيارات المدمرة لتضع الشعوب أمام امتحان لا ينفع فيه الصخب، بل تنفع الدولة القادرة على الإنقاذ والاستجابة وحماية مواطنيها.

الكوارث لا تسأل عن شعبية المسؤول، ولا تصنع «ترنداً»؛ إنها تختبر قوة المؤسسات.
وهنا، تحديداً، تكمن المسألة السودانية.

نحتاج إلى دولة لا تنشغل بإدارة الضجيج، بل بإدارة الأزمة؛ ومؤسسات لا تكتفي بإصدار القرارات، بل تقيس نتائجها؛ وصحافة لا تطارد نصف الحقيقة، بل تبحث عن الحقيقة كاملة.

فالترند يمضي سريعاً، أما الغلاء فيبقى. والضجيج يخفت، أما معاناة الناس فلا تخفت.

لذلك، ليست القضية أن ننتصر في معركة رقم عابر، وإنما أن ننتصر في معركة الاقتصاد. فالشعوب لا تنجو حين يعلو صوتها فقط، بل حين تجد مؤسساتها قوية، واضحة، ومسؤولة في ساعة المحنة.

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة