(1.1) المقدمة
تصعيد “دويلة الشر”
– شهدت الحدود الليبية السودانية تطوراً خطيراً في يونيو 2025، تمثل في تحول الجنرال الليبي المتمرد خليفة حفتر من داعم لوجستي لمليشيات الجنجويد إلى طرف مباشر في المواجهات مع الجيش السوداني. هذا التحول يُعد جزءاً من خطة أوسع أُطلِق عليها “مخطط دويلة الشر”، التي تهدف إلى إعادة تشكيل خريطة النفوذ في المنطقة عبر السيطرة على النقاط الحدودية الحيوية مثل منطقة العوينات، وضمان تدفق إمدادات السلاح للمليشيات المدعومة إماراتياً. هذا التطور ليس حدثاً عابراً، بل هو ذروة مسار تصاعدي طويل، يعكس استراتيجية ممنهجة لاستغلال حالة الضعف والانقسام في ليبيا لخدمة أجندات إقليمية ودولية معقدة، تهدد أمن واستقرار السودان بشكل مباشر، وتزيد من تعقيد المشهد الجيوسياسي الهش أساساً في شمال أفريقيا، حيث تتداخل المصالح وتتصارع النفوذات على خلفية ثروات طبيعية ومواقع استراتيجية بالغة الأهمية، مما يجعل من تدخل حفتر المباشر ناقوس خطر يدق بقوة، يستدعي يقظة وتحركاً فورياً على المستويين الوطني والإقليمي لمواجهة هذا الخطر الداهم الذي يلوح في الأفق، ويحمل في طياته تهديدات وجودية للدولة السودانية ومكتسباتها السيادية.
(1.2) التصعيد العسكري: من الخفاء إلى المواجهة المباشرة
(1.2.1) الاشتباكات الحدودية الأخيرة
– شهدت منطقة العوينات على الحدود السودانية الليبية اشتباكات مسلحة بين القوات السودانية وقوات حفتر مدعومة بمرتزقة من روسيا وكولومبيا ودول أفريقية. وتُعد هذه الاشتباكات أول تدخل عسكري مباشر لحفتر ضد السودان بعد سنوات من الدعم الخفي. ووفقاً للبيانات الرسمية الصادرة عن الجيش السوداني، فقد هاجمت قوات حفتر بالتنسيق مع مليشيا “آل دقلو” النقاط الحدودية في المثلث السوداني-المصري-الليبي، في انتهاك صارخ وصريح للقانون الدولي، مما يفتح باباً واسعاً للتصعيد ويؤكد نوايا عدائية مبيتة. هذه الهجمات المباشرة تمثل قفزة نوعية خطيرة في عدوانية قوات حفتر، وتحولاً جوهرياً في طبيعة الدور الذي تلعبه، من داعم خلفي للمليشيات إلى قوة عدوانية فاعلة على الأرض، تنفذ عمليات عسكرية داخل الأراضي السودانية، وهو ما يشكل تهديداً مباشراً للسيادة الوطنية وأمن البلاد، ويستوجب رداً حازماً وحاسماً لردع أي محاولات أخرى لاختراق الحدود أو المساس بالوحدة الترابية للسودان، ويعكس أيضاً درجة عالية من التنسيق والتمويل اللوجستي المقدم لهذه القوات العدوانية من جهات إقليمية تسعى لزعزعة استقرار السودان.
(1.2.2) أهداف الهجوم الاستراتيجية
– أولاً: تهدف قوات حفتر إلى السيطرة على منطقة العوينات لتأسيس ممر آمن لتهريب الأسلحة إلى مليشيات الجنجويد، خصوصاً بعد تعثر الطرق التقليدية التي كانت تمر عبر تشاد.
– ثانياً: استغلال حالة الانقسام الداخلي في ليبيا لتحويل شرق البلاد إلى قاعدة عسكرية لإدارة وتغذية الصراعات في شمال أفريقيا، خاصة بعد فشل محاولات الإمداد العسكري عبر مطار “أم جرس” التشادي.
إن السيطرة على العوينات لا تقتصر على فتح ممر لوجستي فقط، بل تمنح قوات حفتر ونظيره دقلو نقطة ارتكاز استراتيجية في مثلث حدودي حيوي، تمكنهم من التهديد المباشر لأمن السودان ومصر على حد سواء، واستخدامها كورقة ضغط في أي مفاوضات أو صراعات مستقبلية. كما أن تحويل شرق ليبيا إلى قاعدة عمليات يوفر غطاءً جغرافياً وسياسياً لاستمرار تدفق المرتزقة والأسلحة، بعيداً عن الرقابة الدولية المحدودة أصلاً، ويعزز من وضع حفتر كفاعل إقليمي قوي، وإن كان غير شرعي، قادر على تصدير الفوضى لخدمة أجندة “دويلة الشر” الرامية إلى إضعاف الدول المستقرة في الجوار. هذا التحول في الاستراتيجية من الإمداد الخفي إلى الاحتلال المباشر للمواقع الحدودية يعكس يأساً متزايداً من فاعلية الطرق القديمة، وتصميماً على ضمان استمرار تدفق الدعم القاتل للمليشيات بغض النظر عن التكلفة أو الانتهاكات.
– ملخص مراحل تصعيد دور حفتر ضد السودان:
– لمرحلة التي سبقت عام 2025: اقتصر دور حفتر على تقديم دعم لوجستي غير مباشر، مثل تهريب الأسلحة عبر الأراضي التشادية.
– في يونيو 2025: تطور الأمر إلى مواجهة عسكرية مباشرة، حيث استخدمت قوات حفتر مرتزقة أجانب وقوات نظامية، بالإضافة إلى طائرات مسيرة هجومية، ما يشير إلى نية مبيتة للانخراط المباشر في الصراع ضد السودان.
– هذا التصعيد المتسارع من الدعم اللوجستي إلى الغزو العسكري المباشر خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً، يوضح الطبيعة المتدرجة والمتعمدة لاستراتيجية “دويلة الشر”، التي تبدأ بالتمويه والتخفي، ثم تتدرج في العدوانية كلما سنحت الفرصة أو تعثرت البدائل. استخدام الطائرات المسيرة، تحديداً، يمثل تطوراً تكنولوجياً خطيراً في الصراع، يجعل من قوات حفتر قادرة على تنفيذ ضربات دقيقة من مسافات آمنة، مما يزيد من تعقيد المواجهة ويشكل تحدياً جديداً للجيش السوداني في الدفاع عن حدوده الشاسعة. هذا التحول الميداني هو دليل ملموس على تحول حفتر من مجرد قائد متمرد إلى أداة تنفيذ مباشرة لمخطط إقليمي يستهدف السودان.
(1.3) الدور الإماراتي: خيوط المؤامرة
– تُعد الإمارات الطرف المحوري الخفي الذي يدير ويغذي هذا التصعيد من وراء الكواليس، عبر جملة من الآليات والدوافع:
1. أنشأت أبوظبي غرف عمليات مشتركة مع حفتر في شرق ليبيا، حيث رُصدت طائرات إماراتية تُفرغ شحنات من الأسلحة في مطار الكفرة، ومن ثم تُنقل هذه الأسلحة إلى السودان عبر الأراضي التشادية.
2. تهدف الإمارات إلى استغلال الثروات الليبية، من خلال السيطرة على الموانئ النفطية في منطقة الهلال النفطي، والتي تشمل رأس لانوف والسدرة والبريقة، وتحويل مدينة بنغازي إلى مركز لوجستي لتمويل الأنشطة العسكرية في الإقليم.
3. تعمل الإمارات على توظيف ليبيا جيوسياسياً، لتكون منصة ضغط على الجزائر وتونس، ولتطويق النفوذ التركي والقطري المتصاعد في شمال أفريقيا، عبر أدوات أمنية واقتصادية وعسكرية.
– إن إنشاء غرف عمليات مشتركة هو دليل قاطع على التورط المباشر للإمارات في إدارة العمليات العدوانية ضد السودان، وليس مجرد تقديم دعم مالي أو لوجستي عن بعد، بل مشاركة فعلية في التخطيط والتنسيق اليومي للهجمات. سعي الإمارات للسيطرة على الهلال النفطي الليبي يوضح البعد الاقتصادي الطفيلي للمؤامرة، حيث يتم تمويل الحرب بالوكالة في السودان من عائدات النفط الليبي المسروق، مما يخلق حلقة مفرغة من النهب والصراع. استخدام ليبيا كأداة جيوسياسية في صراع النفوذ الإقليمي بين محور (الإمارات، مصر، السعودية) ومحور (تركيا، قطر) يجعل من الشعب الليبي وقوداً لحروب بالنيابة، ومن أراضي ليبيا ساحة لتصفية الحسابات، وهو ما ينذر بتفاقم الأزمة الليبية وتوسع رقعة الصراع لتشمل دول الجوار بشكل أكثر عنفاً ودماراً.
(1.4) البنية التحتية لـ”دويلة الشر”: أبناء حفتر وشبكة التمويل
– يعتمد حفتر بشكل مباشر على أبنائه في تنفيذ هذا المشروع التخريبي واسع النطاق، مستفيداً من شبكة معقدة من التمويل والتجنيد:
– صدام حفتر: يدير ملف تهريب النفط والذهب من خلال شركة تدعى “أركنو”، ويُعتبر حلقة الوصل الأساسية مع الضباط الإماراتيين. كما زار إسرائيل في عام 2021 لطلب دعم عسكري مقابل تطبيع العلاقات، ما يكشف عن البُعد الدولي في هذا المخطط.
– بلقاسم حفتر: يشرف على التحويلات المالية ويقوم بتمويل العمليات القتالية في السودان، عبر شبكة من الشركات المسجلة في الملاذات الضريبية، تشمل جزر العذراء البريطانية وقبرص.
بالطبع، إليك استكمال الفقرة (1.4) وما يليها من المقال بنفس الأسلوب المنسق والموسّع (50 سطرًا على الأقل لكل قسم):
—
(1.4) البنية التحتية لـ”دويلة الشر”: أبناء حفتر وشبكة التمويل (تكملة)
…عبر شركات وهمية مسجلة في مالطا والإمارات، تقوم بتحويل الأموال من وإلى مناطق النزاع بعيداً عن الرقابة الدولية. هذه الشركات تعمل كواجهة لتمويل أنشطة مشبوهة تشمل شراء الأسلحة، تجنيد المرتزقة، وتسهيل عمليات التهريب العابر للحدود. ثالثاً: تعتمد الشبكة على استغلال الثروات المنهوبة من جنوب ليبيا، خاصة مناجم الذهب في جبل عوينات ومنطقة تربو، حيث يتم تهريب هذه الثروات إلى السودان ومنها إلى الإمارات، في عملية منظمة تشمل مسؤولين فاسدين في دول الجوار. رابعاً: يرتبط أبناء حفتر بشبكة من رجال أعمال لبنانيين وسوريين يحملون جنسيات أوروبية، يقومون بغسل الأموال عبر تجارة العقارات في دبي وقبرص، ما يجعل من “دويلة الشر” كياناً اقتصادياً غير مرئي يُغذي الحرب على السودان من مصادر متعددة يصعب تتبعها. خامساً: تعمد هذه الشبكة إلى تجنيد مقاتلين من دول فقيرة مثل النيجر ومالي عبر وعود كاذبة بالرواتب العالية، ليجد هؤلاء أنفسهم في الصفوف الأمامية للمواجهة ضد الجيش السوداني، مما يخلق أزمة إنسانية وأخلاقية جديدة تتعلق باستغلال الفقر البشري في حروب إقليمية. سادساً: تم رصد تحويلات بنكية مشبوهة من مؤسسات إماراتية إلى حسابات مرتبطة بأبناء حفتر في الخارج، ما يعزز الأدلة على التنسيق المالي الكامل بين الطرفين، ويؤكد أن الإمارات لا تقدم فقط دعماً عسكرياً، بل تدير شبكة اقتصادية متكاملة لإدامة حالة الفوضى، وجعل الحرب في السودان مشروعاً ربحياً طويل الأمد. في المجمل، تمثل البنية التحتية المالية والعائلية لحفتر نموذجاً لما يمكن تسميته بـ”الفساد العابر للحدود”، حيث يتم دمج المصالح الشخصية بالخطط العسكرية لخلق واقع جديد في الإقليم يخدم أجندة فوضوية مدمرة.
—
(1.5) مخاطر الأمن القومي السوداني: التهديد القادم من الغرب
يمثل التمدد العسكري لحفتر إلى الحدود الغربية للسودان تهديداً استراتيجياً بالغ الخطورة، لا يقل عن أي تهديد آخر من الشرق أو الشمال. أولاً: يفتح هذا التمدد جبهة قتال جديدة تُنهك القوات المسلحة السودانية التي تخوض معارك على عدة محاور داخلية. هذا التمدد يُجبر السودان على توزيع قواته بين حماية المدن الكبرى، ومراقبة الحدود الطويلة مع ليبيا، ما يضعف من قدرة الجيش على صد أي هجوم مفاجئ أو التعامل مع طوارئ أمنية داخلية. ثانياً: يمثل التهديد من الغرب خطراً على شريان التواصل الاقتصادي بين السودان وتشاد وأفريقيا الوسطى، وهو ما قد يؤدي إلى انهيار التجارة البرية عبر هذا المحور، وتفاقم الأزمات الاقتصادية والإنسانية في ولايات دارفور وكردفان. ثالثاً: يشكل هذا التهديد مدخلاً لتفريخ جماعات مسلحة جديدة في غرب السودان، تحظى بدعم خارجي، وتُستخدم كأدوات لإشعال النزاعات القبلية والعرقية، مما يعيد دارفور إلى مربع الاحتراب الأهلي. رابعاً: يهدد هذا التمدد مشاريع التنمية والبنية التحتية التي كان من المزمع تنفيذها في غرب السودان، خاصة الطرق السريعة والمناطق الصناعية، إذ لن تجازف أي جهة استثمارية بضخ أموالها في منطقة مهددة بنيران مرتزقة حفتر وحلفائه. خامساً: يؤدي هذا التصعيد إلى زيادة معدلات النزوح واللجوء، حيث يفر المدنيون من المناطق الحدودية، مما يزيد العبء على المدن السودانية المكتظة أصلاً، ويُنهك ميزانيات الدعم والخدمات الحكومية. سادساً: يخلق هذا التهديد فجوة أمنية تسمح بانتعاش أنشطة التهريب والإتجار بالبشر والمخدرات، ما يشكل تحدياً أمنياً إضافياً يرتبط بالجريمة المنظمة العابرة للحدود. في المجمل، فإن الخطر القادم من الغرب لم يعد مجرد احتمال، بل واقع متصاعد، يتطلب خطة أمن قومي شاملة تُعيد النظر في أولويات التموضع العسكري، وتعزز من قدرات السودان الدفاعية والسيبرانية والاستخباراتية، وتبني تحالفات إقليمية جديدة لمواجهة هذا التحدي الداهم.
—
(1.6) الخاتمة: ضرورة الرد الحاسم وتشكيل محور مقاوم
أمام هذا التصعيد الخطير، لم يعد الصمت السوداني خياراً، ولم يعد الموقف الدفاعي كافياً. على السودان أن يتحول إلى حالة ردع استباقي، تقوم على خمسة مرتكزات رئيسية: أولاً، تفعيل الدبلوماسية الإقليمية، عبر فتح قنوات تنسيق مباشر مع الجزائر وتونس ونيجيريا لتشكيل محور أمني مشترك يواجه تغول حفتر والإمارات في غرب أفريقيا. ثانياً، تعزيز الجاهزية العسكرية في الحدود الغربية، بإعادة نشر القوات الخاصة ووحدات الدفاع الجوي في مثلث العوينات، وتجهيزها بتقنيات متقدمة ترصد الطائرات المسيرة وتواجه المرتزقة بكفاءة. ثالثاً، شن حملة إعلامية ودبلوماسية دولية لفضح الدور الإماراتي في دعم حفتر والتورط في زعزعة أمن السودان، مع توثيق الانتهاكات ورفعها إلى مجلس الأمن والاتحاد الأفريقي. رابعاً، تطوير سياسة أمنية هجومية تعتمد على الضربات الاستباقية لمخازن السلاح ومراكز الدعم اللوجستي في العمق الليبي قبل وصول الإمدادات إلى المليشيات داخل السودان. خامساً، إعادة صياغة العقيدة العسكرية السودانية لتشمل الدفاع السيبراني والحرب غير التقليدية، بما يشمل حرب الطائرات المسيرة، والإمداد الاستخباراتي المستند إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي. إن السودان في هذه اللحظة المفصلية بحاجة إلى قيادة مركزية توحد الجهد الوطني، وتبني تحالفات إقليمية تضمن له الاستقرار والحماية من التهديدات القادمة من “دويلة الشر”. كما أن استمرار الصمت العربي والإسلامي تجاه ما يجري يمثل وصمة عار، ويكشف عن خضوع الكثير من الدول لهيمنة المال السياسي الإماراتي. لقد آن الأوان لتشكيل محور مقاوم يعيد التوازن للمنطقة، ويقطع يد التخريب القادمة من الصحراء الليبية، قبل أن يتحول هذا الخطر إلى سرطان يستحيل استئصاله.
بالطبع، إليك استكمال الفقرة (1.4) وما يليها من المقال بنفس الأسلوب المنسق والموسّع (50 سطرًا على الأقل لكل قسم):
—
(1.4) البنية التحتية لـ”دويلة الشر”: أبناء حفتر وشبكة التمويل (تكملة)
…عبر شركات وهمية مسجلة في مالطا والإمارات، تقوم بتحويل الأموال من وإلى مناطق النزاع بعيداً عن الرقابة الدولية. هذه الشركات تعمل كواجهة لتمويل أنشطة مشبوهة تشمل شراء الأسلحة، تجنيد المرتزقة، وتسهيل عمليات التهريب العابر للحدود. ثالثاً: تعتمد الشبكة على استغلال الثروات المنهوبة من جنوب ليبيا، خاصة مناجم الذهب في جبل عوينات ومنطقة تربو، حيث يتم تهريب هذه الثروات إلى السودان ومنها إلى الإمارات، في عملية منظمة تشمل مسؤولين فاسدين في دول الجوار. رابعاً: يرتبط أبناء حفتر بشبكة من رجال أعمال لبنانيين وسوريين يحملون جنسيات أوروبية، يقومون بغسل الأموال عبر تجارة العقارات في دبي وقبرص، ما يجعل من “دويلة الشر” كياناً اقتصادياً غير مرئي يُغذي الحرب على السودان من مصادر متعددة يصعب تتبعها. خامساً: تعمد هذه الشبكة إلى تجنيد مقاتلين من دول فقيرة مثل النيجر ومالي عبر وعود كاذبة بالرواتب العالية، ليجد هؤلاء أنفسهم في الصفوف الأمامية للمواجهة ضد الجيش السوداني، مما يخلق أزمة إنسانية وأخلاقية جديدة تتعلق باستغلال الفقر البشري في حروب إقليمية. سادساً: تم رصد تحويلات بنكية مشبوهة من مؤسسات إماراتية إلى حسابات مرتبطة بأبناء حفتر في الخارج، ما يعزز الأدلة على التنسيق المالي الكامل بين الطرفين، ويؤكد أن الإمارات لا تقدم فقط دعماً عسكرياً، بل تدير شبكة اقتصادية متكاملة لإدامة حالة الفوضى، وجعل الحرب في السودان مشروعاً ربحياً طويل الأمد. في المجمل، تمثل البنية التحتية المالية والعائلية لحفتر نموذجاً لما يمكن تسميته بـ”الفساد العابر للحدود”، حيث يتم دمج المصالح الشخصية بالخطط العسكرية لخلق واقع جديد في الإقليم يخدم أجندة فوضوية مدمرة.
(1.5) مخاطر الأمن القومي السوداني: التهديد القادم من الغرب:-
– يمثل التمدد العسكري لحفتر إلى الحدود الغربية للسودان تهديداً استراتيجياً بالغ الخطورة، لا يقل عن أي تهديد آخر من الشرق أو الشمال.
– أولاً: يفتح هذا التمدد جبهة قتال جديدة تُنهك القوات المسلحة السودانية التي تخوض معارك على عدة محاور داخلية. هذا التمدد يُجبر السودان على توزيع قواته بين حماية المدن الكبرى، ومراقبة الحدود الطويلة مع ليبيا، ما يضعف من قدرة الجيش على صد أي هجوم مفاجئ أو التعامل مع طوارئ أمنية داخلية.
– ثانياً: يمثل التهديد من الغرب خطراً على شريان التواصل الاقتصادي بين السودان وتشاد وأفريقيا الوسطى، وهو ما قد يؤدي إلى انهيار التجارة البرية عبر هذا المحور، وتفاقم الأزمات الاقتصادية والإنسانية في ولايات دارفور وكردفان.
– ثالثاً: يشكل هذا التهديد مدخلاً لتفريخ جماعات مسلحة جديدة في غرب السودان، تحظى بدعم خارجي، وتُستخدم كأدوات لإشعال النزاعات القبلية والعرقية، مما يعيد دارفور إلى مربع الاحتراب الأهلي.
– رابعاً: يهدد هذا التمدد مشاريع التنمية والبنية التحتية التي كان من المزمع تنفيذها في غرب السودان، خاصة الطرق السريعة والمناطق الصناعية، إذ لن تجازف أي جهة استثمارية بضخ أموالها في منطقة مهددة بنيران مرتزقة حفتر وحلفائه.
– خامساً: يؤدي هذا التصعيد إلى زيادة معدلات النزوح واللجوء، حيث يفر المدنيون من المناطق الحدودية، مما يزيد العبء على المدن السودانية المكتظة أصلاً، ويُنهك ميزانيات الدعم والخدمات الحكومية.
– سادساً: يخلق هذا التهديد فجوة أمنية تسمح بانتعاش أنشطة التهريب والإتجار بالبشر والمخدرات، ما يشكل تحدياً أمنياً إضافياً يرتبط بالجريمة المنظمة العابرة للحدود. في المجمل، فإن الخطر القادم من الغرب لم يعد مجرد احتمال، بل واقع متصاعد، يتطلب خطة أمن قومي شاملة تُعيد النظر في أولويات التموضع العسكري، وتعزز من قدرات السودان الدفاعية والسيبرانية والاستخباراتية، وتبني تحالفات إقليمية جديدة لمواجهة هذا التحدي الداهم.
(1.6) الخاتمة: ضرورة الرد الحاسم وتشكيل محور مقاوم
– أمام هذا التصعيد الخطير، لم يعد الصمت السوداني خياراً، ولم يعد الموقف الدفاعي كافياً. على السودان أن يتحول إلى حالة ردع استباقي، تقوم على خمسة مرتكزات رئيسية:-
– أولاً، تفعيل الدبلوماسية الإقليمية، عبر فتح قنوات تنسيق مباشر مع الجزائر وتونس ونيجيريا لتشكيل محور أمني مشترك يواجه تغول حفتر والإمارات في غرب أفريقيا.
– ثانياً، تعزيز الجاهزية العسكرية في الحدود الغربية، بإعادة نشر القوات الخاصة ووحدات الدفاع الجوي في مثلث العوينات، وتجهيزها بتقنيات متقدمة ترصد الطائرات المسيرة وتواجه المرتزقة بكفاءة.
– ثالثاً، شن حملة إعلامية ودبلوماسية دولية لفضح الدور الإماراتي في دعم حفتر والتورط في زعزعة أمن السودان، مع توثيق الانتهاكات ورفعها إلى مجلس الأمن والاتحاد الأفريقي.
– رابعاً، تطوير سياسة أمنية هجومية تعتمد على الضربات الاستباقية لمخازن السلاح ومراكز الدعم اللوجستي في العمق الليبي قبل وصول الإمدادات إلى المليشيات داخل السودان.
– خامساً، إعادة صياغة العقيدة العسكرية السودانية لتشمل الدفاع السيبراني والحرب غير التقليدية، بما يشمل حرب الطائرات المسيرة، والإمداد الاستخباراتي المستند إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي. إن السودان في هذه اللحظة المفصلية بحاجة إلى قيادة مركزية توحد الجهد الوطني، وتبني تحالفات إقليمية تضمن له الاستقرار والحماية من التهديدات القادمة من “دويلة الشر”. كما أن استمرار الصمت العربي والإسلامي تجاه ما يجري يمثل وصمة عار، ويكشف عن خضوع الكثير من الدول لهيمنة المال السياسي الإماراتي. لقد آن الأوان لتشكيل محور مقاوم يعيد التوازن للمنطقة، ويقطع يد التخريب القادمة من الصحراء الليبية، قبل أن يتحول هذا الخطر إلى سرطان يستحيل استئصاله.


