يشهد السودان منذ عقود نزاعات مسلحة متكررة ،تعود أسبابها إلى
مجموعة من العوامل المتشابكة والمعقدة،فالحرب لم تكن نتاج
خطاب الكراهية وحده،بل هي ثمرة مسار طويل من الأزمات
السياسية والأمنية والتدخلات الخارجية.
فقد لعبت القوى الإقليمية والدولية دوراً واضحاً في تغذية الاستقطاب
ودفع البلاد نحو مآلات عنيفة تخدم مصالحها على حساب استقرار
السودان.
كما أدى تعدد الكيانات المسلحة وتضارب أجنداتها إلى واقعاً أمنياً هشاً،جعل
عملية الإصلاح العسكري والأمني تحديا بالغ التعقيد ،فلا تُجدي فيها نفعاً
الوصفات المستوردة المستوحاة من أنماط العلاقات المدنية والعسكرية
السائدة في الدول الغربية ،نظراً لاختلاف السياق السوداني في تركيبته
الاجتماعية والسياسية.
وإلى جانب ذلك، ساهمت التحالفات الهجينة الصفرية بين المدنيين والعسكريين
وما صاحبها من تباين سياسي وأيدولوجي حاد وغياب مشروع وطني جامع،
في زيادة التوتر ،بدلاً من بناء جسور الثقة والاستقرار
فكانت المحصلة حرباً مدمرة تهدد وحدة البلاد وتماسكها.
وعلى الرغم من تعدد هذه الأسباب البنيوية،ظل خطاب الكراهية أحد أخطر
العوامل التي غذت النزاعات،ودفعت نحو تفجيرها فقد أصبح بمثابة
الوقود النفسي والسياسي الذي يدفع المجتمع نحو الإحتراب،بعدما
ترسخ في الخطاب العام ،سواء في المنابر السياسية أو الإعلامية أو
حتى المجتمعية ،خطاب يقوم على التحريض والإقصاء والتمييز
العرقي أو الديني أو الجهوي ،مما أسهم في تأجيج الأحقاد
والانقسامات بين ابناء الوطن الواحد .
لقد أكدت التجربة السودانية أن الحروب لا تبدأ بالسلاح ،وإنما بالكلمة ؛فقبل أن
تنطلق الرصاصات ،تُبذر بذور الكراهية في الوعي العام ،مما يجعل مواجهة هذا
الخطاب خطوة مركزية في أي مسار لبناء السلام ،وإعادة اللحمة الوطنية.
بالرغم من أن الوثيقة الدستورية للفترة الإنتقالية لسنة 2019،قد ارست مبادئ
واضحة لاحترام التنوع السوداني، وأكدت المادة (4/1) أن السودان دولة
ديمقراطية لا مركزية تتعدد فيها الثقافات والأديان، ولا مجال فيها للتمييز
على أي أساس إلا أن الواقع العملي كشف عن ضعف ترجمة هذه المبادئ
إلى تشريعات فعالة تجرم خطاب الكراهية بشكل صريح ومباشر ،كما أكدت
الوثيقة أن الموطنة هي أساس الحقوق والواجبات،مما يعني أن أي خطاب
يقوم على التمييز أو الإقصاء يُعد منافيا للدستور نصاً وروحاً.
وفي ظل غياب قانون قومي موحد يجرم خطاب الكراهية ،ظل النظام القانوني
السوداني يتعامل مع الظاهرة من خلال نصوص متفرقة في عدد من التشريعات
مثل القانون الجنائي لسنة 1991،الذي يجرم في المادة (125) إهانة العقائد الدينية
أو قانون مكافحة جرائم المعلوماتية لسنة 2018،الذي شدد العقوبة على إستخدام
الوسائط الإلكترونية في المادة (14) لإثارة الكراهية ضد الطوائف و الجماعات
على أساس العرق أو اللون أو اللغة،وكذلك قانون الصحافة والمطبوعات
لسنة 2009،الذي أورد في المادة (26/و) التزاماً أخلاقياً على الصحفيين
بعدم نشر أي مواد تحرض على الكراهية أو تمس المعتقدات والأديان ،إلا
أن هذه النصوص ظلت مبعثرة وغير كافية لمواجهة ظاهرة تتفاقم يوماً بعد
يوم،خاصة مع اتساع استخدام وسائل التواصل بوصفها منصة فعالة
للتحريض وبث الشائعات والكراهية..
كما دعت لجنة الأمم المتحدة للقضاء على التمييز العنصري السودان
إلى اعتماد تشريع شامل لمكافحة التمييز وخطاب الكراهية
والتحقيق في جرائم الكراهية ،ومحاسبة المسؤولين عنها ،والعمل على تعزيز الحوار
بين المكونات المجتمعية ،وعلى الرغم من مرور نحو عشر سنوات على هذه
التوصية ما زال السودان يفتقر إلى هذا التشريع ،مما يجعل الجهود الرامية
لمكافحة الكراهية محدودة الأثر ،وعرضة للتسييس أو الإستخدام الإنتقائي .
إن الإرتباط المباشر بين خطاب الكراهية وإستمرار الحرب في السودان بات أمراً
لا يمكن تجاهلة؛فقد رافقت معظم النزاعات المسلحة في دارفور ،والنيل الأزرق
وجبال النوبة ،وحتى الخرطوم موجات من التحريض العرقي والديني والسياسي
سواء عبر المنابر العامة أو على منصات التواصل، .بل إن بعض الفاعلين
استغلوا الانقسامات المجتمعية لإشعال الصراع وتعميقه ،وهو ما يجعل تجريم
هذا الخطاب خطوة أساسية لوقف الحرب لا مجرد قضية حقوقية أو قانونية.
وفي محاولة لمعالجة الظاهرة ،لجأت بعض الولايات ،مثل ولاية النيل الأبيض
إلى إصدار أوامر طوارئ لتجريم خطاب الكراهية والعنصرية
ومعاقبة مروجيه عبر المنابر أو وسائل الإعلام أو المنصات الإلكترونية
إلا أن هذه المعالجات الجزئية لا تكفي ،خاصة في ظل غياب إطار قانوني
قومي موحد يعالج خطاب الكراهية في جميع مستوياته وأشكاله ويضع تعريفات
دقيقة له ويحدد العقوبات،ويوفر آليات إنفاذ واضحة.
من هنا تبرز الحاجة الماسة إلى إصدار قانون قومي خاص بمكافحة خطاب الكراهية
يتكامل مع النصوص الدستورية،ويغلق الثغرات القانونية ،ويؤسس لمجتمع يقوم على
التسامح واحترام التنوع والتعدد ،بدلاً من الانقسام والتخوين ،وينبغي أن يُصاغ
هذا القانون بشكل يضمن ألا يكون أداة لقمع حرية التعبير بل وسيلة لحمايتها من
أن تستخدم غطاء للتحريض على العنف أو التمييز أو الإقصاء.
ختاماً فإن مكافحة خطاب الكراهية ليست مهمة تشريعية فحسب ،بل
مسؤولية جماعية تتطلب تضافر جهود الدولة والمجتمع المدني ،والمؤسسات
الإعلامية ،والدينية والتربوية ،لبناء خطاب وطني جامع يصون وحدة البلاد
ويحمي مستقبلها من خطر الإنقسام والتفكك ،فالسودان الذي ظل يدفع ثمناً
باهظاً للكراهية والاقتتال ،لن ينهض إلا بثقافة جديدة تقوم على السلام والتعايش
والمواطنة المتساوية ،ولن يتحقق ذلك دون مواجهة صريحة وشجاعة لخطاب
الكراهية بكل أشكاله،وتجفيف منابعه القانونية والاجتماعية والسياسية.


