استضاف منتدى فلاح الثقافي جلسة استماع للمطربين مجذوب أونسة وعثمان الأطرش في واحدة من أجمل ليالي فلاح أمها جمهور كبير خرج راضياً عن كل ما قدم فيها وكان ذلك في يوم الأربعاء التاسع عشر من شهر مايو من العام 2010م .
الاذاعي الرمز الراحل المهندس صلاح طه تحدث حينها عن الفنان مجذوب أونسة بعد مداخلة للملحن الراحل حمدان أزرق بقوله ( إن صلاح طه هو من جاء بأونسة من نقزو الى إذاعة أم درمان ) .
فقال صلاح طه : في يوم مثل 19 مايو الذي يشهد هذه الجلسة الآن .. وفي يوم مثله تماما قبل 35 عاماً بدأت علاقتي بالمطرب مجذوب أونسة، وكان ذلك في 19 مايو 1975م ، فقد قررنا في الاذاعة الخروج الى الأقاليم للتسجيل لمطربين جدد ، وكان برفقتي الفني داؤود زكي، وفي شندي طلبت من اعيانها مطرباً فجاءوا لنا ب(عربي لابس جلابية وطاقية حمراء) وكثيف الشعر فقلت للفني داؤود: (ده سجل ليهو براك) وبعد التسجيل قال لي داؤود : العربي ده غناي جداً يا أستاذ ، فقلت له : ده ما ينفع بي تعريفة!! … وعدنا الى أم درمان بعد قضاء شهر نجوب المدن ونسجل، ففي مدني سجلنا لولد جديد اسمه محمد سلام – رحمه الله – وغيره ببقية المدن السودانية المترعة بالإبداع .
ويواصل صلاح طه إفاداته من خلال مايكرفون دار فلاح : ( في أم درمان بدأنا في بث الأعمال ولكن زكي وضع شريط أونسة أولاً.. وأصر عليه وفيه ثلاث أغنيات هي البريدك موت، وقت ما نحن نتلاقى بنلقى الدنيا فراقة والريد الريد يا أهل ، وبعد البث لم ينقطع صوت رنين التلفون من الجماهير مطالبة بإعادة هذه الأعمال معجبين بهذا الصوت المتفرد .
فقررت أن يأتي مجذوب لأم درمان فاتصلت به وجاء من شندي برفقة شاب اسمه حسين أونسة وأذيع اللقاء في عيد الأضحى وقلت له أما آن الأوان أن تأتي وتستقر في الخرطوم فقال مجذوب : أنا هسي جيت عشان خاطرك ونحن ناس (نقزو) والغنا عندنا حرام !! ..
فوعدته أن آتي الى (نقزو) واقنع أهله بالفكرة .
وقد كان ، وذهبت اليه وقابلت أعمامه وكان خائفاً وجلست مع كل (كبارات) نقزو وبدأ الكلام في كيفية السماح لمجذوب بالغناء في الخرطوم وبعد 45 دقيقة من الطرح الجاد تمت الموافقة وأتى مجذوب الى أم درمان وأصبح من أروع المطربين الذين أبهجوا الشعب السوداني ومازالوا .
المطرب مجذوب أونسة حيا الحضور وقال إن كل ما قال به الاستاذ صلاح طه صحيح مائة بالمائة، وأردف : أهلي مازالوا يسألونني «أنت الشغلة دي لسة ما خليتها؟» وأضاف : رغم مرور 35 عاماً على أول أغنية قدمتها للاذاعة السودانية إلا أنني في دواخلي أحس بأنني لم أقدم شيئاً بعد ، وأضاف أن شقيقه الشاعر حسين أونسة كان من المعارضين لفكرة (مجذوب المطرب) وأنه لم يصبح مطرباً إلا بعد ( فلت ) من أهله وجاء من (نقزو) الى شندي بنادي النيل ومركز شباب شندي والتقى بالشاعر عبد الرحمن بكراوي في سماية وهو يلقي بعضاً من قصائده وأخذ منه « وقت ما نحن نتلاقى بنلقى الدنيا فراقة»، وبعد أربع أعوام أخذت منه «جيت أوادعك يا قماري» وقال إن الرئيس نميري كان يحب أعماله الأولى وعندما قدم يا قماري قال لمسؤول « أنتو الولد ده خلاص خربتوه ؟ » لأن نميري لم تعجبه أغنية القماري .
وأردف «عند دخولي العاصمة كنت مرفوضاً من كل الجهات والمطربين والعازفين وأنا أمشي بينهم ( بجلابيتي وطاقيتي الحمرا ) ولكن الملحن عبد اللطيف خضر ود الحاوي كان الوحيد الذي استقبلني ولحن لي ( ده ما سلامك ) كلمات الشاعر عزمي احمد خليل. ثم تعنى أونسة بكل الأغنيات التي وردت آنفاً وقدم أغنية جديدة بعنوان (مصلوب على الأقدار) من كلمات الدكتور ياسر حسن عبد الله ومن ألحانه يقول مطلعها :
عكر مزاجي الكيف وكيف المزاج يرجع.. نزفت جروحي نزيف ومشاعري تتقطع.. وكل ما أحاول أقيف ألقى الضياع أسرع.. يا قلبي يا محزون وبشكيك ليك منك.. وكيف يا قلبي تكون فيني وغريب عنك.. خليني فيك مسجون خاب ظني منك.. والكنت فاكرو حنون ما بسوي زي حِنّك.
ثم قدم أغنية جديدة أخرى من كلمات اسحق الحلنقي وألحان صلاح ادريس بعنوان (كده الأيام تبدل فيك) وتفاعل الجمهور معها ومع الأغنية الأخرى.
ووقف مجذوب أونسة وخلفه كورس كامل ودون عود وتغنى بالحقيبة فصاح الناس ذهولاً فقد أقعد كل مطربي الحقيبة بالأداء الراقي والقوى حتى أن شيخاً كان يصيح وسمعه كل الحضور ( يا مجذوب أقلب حقيبة.. يا مجذوب أقلب شعبي ).
وفي المساحة له قدم المطرب عثمان الأطرش ثلاث أغنيات منها رائعته ( بت بلدي) وأغنيتي حقيبة هما (ناعس الأجفان) و(ما رأيت في الكون يا حبيب أجمل منك ) وكان أداؤه جيداً ولا ندري لماذا هجر الأطرش الحفلات والاذاعات والجمهور .
خروج أول
لقد كانت ايامنا جميلة جدا قبيل الحرب ، رغم الفقر والعوز وصعوبة الحياة ، فالمنتديات كانت مشتعلة ابداعا وألقا، والبرامج في الإذاعة والتلفزيون كثيرة ومثيرة ومستساغة بمشاركة الجميع والمسرح القومي يأمه أهل الخرطوم كل مساء لتعدد المسرحيات ، ولكن تبدل حالنا قبل سنوات وزادته الحرب بؤسا وتشويها متعمدا بعد أن أعادتنا بنيرانها الى الوراء أكثر من خمسين عاما ، ومازال الكروان مجذوب أونسة يتغنى للسودان الوطن الواحد ب( عزيز أنت يا وطني برغم قساوة المحن )).
خروج أخير
رحم الله الاذاعي صلاح طه والملحن حمدان أزرق وكل المبدعين الذين قتلهم آل دقلو بدم بارد في هذه الحرب الملعونة وغدا بإذن الله ستتفتح الأزهار ويعم السلام وتتحرر كل المدن المحتلة ويتغنى ملوك الإبداع للسودان الوادع المطمئن .


