لم تكن الفاشر مجرد مدينة في غرب السودان، بل كانت رمزًا للصمود والعزة، وميدانًا لكرامةٍ واجهت كل أشكال الحصار والجوع والخوف. لقرابة العامان، حمل أهلها عبء البقاء في وجه حربٍ أنهكت الحجر قبل البشر، وأثبتوا للعالم أن الإرادة يمكن أن تصمد حتى في وجه المستحيل.
صمد الجيش السوداني في الفاشر صمودًا بطوليًا، امتد لأشهرٍ من النزيف المتواصل، وهو يقاتل وسط الحصار والجوع وانقطاع الإمداد، محافظًا على ما تبقّى من أملٍ في بقاء المدينة تحت راية الوطن.
وعندما جاء قرار الانسحاب، لم يكن انسحابًا اختيارياً كما يظن البعض، بل كان انسحابًا مرغمًا بفعل واقعٍ عسكريٍ قاسٍ، وتوازناتٍ أنهكت المقاتلين وأرهقت المدينة المنكوبة. لقد كان انسحابًا يحمل في طيّاته وجعًا بحجم الفاشر نفسها، وجعُ من قاتل حتى العدم، ثم اضطر إلى ترك الأرض التي سالت عليها دماء رفاقه.
لكن اليوم، بعد انسحاب الجيش من “الفاشر السلطان”، تتهاوى أحلام المدينة كما تتساقط جدرانها المنهكة بالقذائف. سقطت الفاشر لا كمدينةٍ مهزومة، بل كقلبٍ طعنته الخيانة في زمنٍ كان ينتظر فيه العالم أن يمد يده لإنقاذ الأبرياء.
الجوع الذي كان يطارد الناس في الأزقة، صار اليوم أهون من رعب الإبادة الذي يطوف على الأبواب. أحياء بأكملها تُباد، يُدفن الشباب والشياب، قبل أن يُدفن الأمل نفسه تحت الركام.
وهاهو العالم يتفرّج كعادته، وقد ملأ المجتمع الدولي الدنيا ضجيجًا بشعارات “حقوق الإنسان” و“العدالة الدولية”، لكنه يقف اليوم صامتًا، كأنه لم يسمع صرخات الأطفال، ولم يرَ الدخان المتصاعد من بيوت الفاشر التي كانت يوماً تضج بالحياة.
أين ذهبت الإنسانية حين تحوّل الدم إلى خبرٍ عابرٍ في نشرات المساء؟
وأين ذهبت المواثيق حين صارت حياة السودانيين تُقاس بموازين المصالح السياسية؟
إنها ليست مجرد هزيمة عسكرية، بل هزيمة إنسانية وأخلاقية تعري ضمير العالم، وتكشف زيف الشعارات التي رفعتها المنظمات والدول الكبرى.
لقد سقطت الفاشر، لكن لم يسقط أهلها. فالشعب الذي صمد في وجه الموت كل تلك الشهور لا يمكن أن يُهزم مهما اشتدت العتمة. ستبقى الفاشر جرحاً مفتوحاً في ضمير الأمة، وصوتاً يذكر الجميع بأن الصمت على المأساة هو مشاركة فيها.
ومهما غاب الدعم، ومهما خانت الأقدار، فإنّ ذاكرة الشعوب لا تنسى.
سيأتي يومٌ تُروى فيه قصة الفاشر كما تُروى الأساطير، لا عن مدينةٍ سقطت، بل عن مدينةٍ قاومت حتى آخر رمق، لتكتب بدمها معنى الكرامة.


