24.8 C
Khartoum
الأحد, فبراير 15, 2026

نداء إلى وزير الثقافة والإعلام… وأنت ترفع شعار: «جيناكم» بقلم: محاسن عثمان نصر

إقرأ ايضا

معالي وزير الثقافة والإعلام الأستاذ الإعيسر،
وأنت ترفع شعار «جيناكم»، نقف في الجزيرة ونفتح لك الباب على مصراعيه، لا بالزينة ولا باللافتات، بل بالحقيقة كما هي؛ جرحًا لم يندمل، وصوتًا ما زال حيًّا، وأرضًا تنتظر أن تُسمَع كما تُرى.

ننتظرك في قلب الجزيرة، حيث يوقّع النيل على دفاتر الوطن كل صباح، وحيث لم تكن هذه الولاية يومًا مطمعًا لمليشيا ولا غايةً لمرتزق، لكنها وُضعت — بحسابات الحرب القاسية — في مرمى المعركة، لتكون ساحة الحسم. فكان الاجتياح، وكان الخراب الممنهج، وكانت المذابح التي نزفت أعزاءنا في القرى والفرقان، حتى صار الفقد لغة الناس، وصارت المؤسسات أطلالًا تتكئ على الصمت.

معالي الوزير،
إذا كان الشعار «جيناكم»، فإن الجزيرة تقول لك: نحن هنا.
هنا حيث انهارت مبانٍ، وتبعثرت وثائق، وخفتت أصوات، لكن الصمت لم ينتصر. من بين الحجارة المحترقة نهض الإعلام المحلي، لا متكئًا على الإمكانات، بل على الإيمان. إذاعة الجزيرة وفضائيتها الخضراء، التي وُلدت وفق إرادة إنسانها قبل قرارات الدولة، عادتا للبث بإمكانات متواضعة وإرادة لا تلين، لتثبتا أن الصوت لا يُقهر.

وأنت تتحدث عن تأهيل الإذاعة والتلفزيون في مدن أخرى، غابت الجزيرة عن الذكر، ونتمنى أن لا تغيب عن الفعل. لذا نرفع لك هذا النداء:
جيناكم… فتعالوا إلى إذاعة الجزيرة وفضائيتها.
تعال لا لتقص شريطًا، بل لتقف على الأطلال، وتسمع أثير ود مدني وهو يخرج من بين الركام، مبحوحًا قليلًا، صادقًا كثيرًا. هناك ستدرك أن الإعلام المحلي ليس ترفًا هامشيًا، بل عمودًا فقريًا للحس الوطني، وصمام أمان للذاكرة الجماعية.

لقد كان إعلام الجزيرة أكثر من ناقل خبر، كان حارسًا للمعنى. ربط الناس بأرضهم، وصنع من الألم وعيًا، ومن الخسارة سؤالًا عن الغد. بهذا الدور، أصبح الإعلام المحلي جزءًا من الإنتاج الوطني؛ إنتاج الثقة، والانتماء، واستمرار الدولة من القاعدة إلى القمة.

ومع الإعلام، تقف السياحة في الجزيرة شاهدًا آخر على ما يمكن أن ينهض. فهذه الأرض ليست فقط مشروعًا زراعيًا، بل تاريخٌ حيّ، ونيلٌ كريم، وقرى تحمل روح السودان الأولى. إحياء السياحة هنا ليس ترفًا، بل مقاومة للنسيان، وإعادة تعريف للجزيرة بوصفها أرض حياة لا مجرد ساحة حرب.

معالي الوزير،
إذا كان شعاركم «جيناكم»، فإن الجزيرة تنتظر أن تراه فعلًا لا قولًا.
تنتظر شراكة تعيد للإعلام صوته، وللسياحة وجهها، وللمؤسسات روحها.

هذه ليست رسالة عتاب، بل نداء وطن.
فحين تجيئون إلى الجزيرة حقاً
يعلو صوتها،
ويقترب السودان خطوةً أخرى من ذاته.

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة