29 C
Khartoum
الثلاثاء, يناير 13, 2026

تداعيات خطيرة: الحشود العسكرية الإثيوبية واللعبة الجيوسياسية على حدود السودان الشرقية قلم وطني… بقلم خالد المصطفى اعلام لواء الردع اعمدة تداعيات خطيرة: الحشود العسكرية الإثيوبية واللعبة الجيوسياسية على حدود السودان الشرقية قلم وطني… بقلم خالد المصطفى اعلام لواء الردع

إقرأ ايضا

يبدو أن نار الحرب المشتعلة في السودان، والتي ظنّ البعض أنها قد تُحتوى داخل حدوده، على وشك أن تتحول إلى حريق إقليمي عابر للحدود يهدد بزعزعة استقرار القرن الإفريقيٍّ يعاني أصلاً من هشاشة بالغة. فالصور التي التقطتها الأقمار الصناعية في الأسابيع الأخيرة، والتقارير الميدانية المتواترة من منطقة “بني شنقول- قمازم” الإثيوبية، لا تترك مجالاً للشك في أن تحركات عسكرية غير عادية تجري على بعد أميال قليلة من الحدود السودانية الشرقية. هذه ليست مناورات روتينية، بل هي مشاهد تكشف عن حشود لقوات وعربات مدرعة، وبناء معسكرات تدريب، وتجهيز مهابط طائرات متقدمة، ونشاط لوجستي مكثف يشير إلى عملية تحضير واسعة النطاق. في قلب هذا المشهد، تطفو على السطح تقارير عن وجود طائرات مسيرة لإجراء عمليات استطلاع في منطقة النيل الأزرق السودانية، ما يضفي بعداً تهديدياً مباشراً، ويكشف أن هذه الاستعدادات تتجاوز الحدود الإثيوبية الداخلية لتتجه ببوصلتها نحو الجارة الشمالي

الخلفية الجذرية لهذا التصعيد لا تنفصل عن الحرب الدائرة رحاها في السودان منذ أكثر من عام. تشير قراءة متأنية للتحركات إلى أنها ليست مبادرة إثيوبية محضة، بل هي جزء من لعبة جيوسياسية أكبر تُدار من دويلة الشر. فالدعم الخارجي المتواصل لمليشيا الدعم السريع عبر وسائل لوجستية وجوية معروفة، يواجه الآن تحدياً على الأرض مع تصاعد الضغط على هذه المليشيا في مسارح القتال في غرب السودان في ولاية دارفور ثم فتح جبهة جديدة في شرق السودان، عبر استثمار التوترات التاريخية والحديثة مع إثيوبيا، يبدو استراتيجية خبيثة من دويلة الشر الامارات مُحكمة تعمل على شد أطراف القوات النظامية وإجبارها على تشتيت قواتها، وبالتالي تخفيف العبء عن حلفاء تلك الدويلة الشر الامارات . إنه نموذج كلاسيكي لاستراتيجية “إشعال الحدود” لتحقيق مكاسب في معركة داخلية، مستغلاً في ذلك نقاط الضعف والصراعات العالقة بين دول الجوار.

غير أن ما قد لا تدركه أديس أبابا تماماً، أو تختار تجاهله في سعيها لتحقيق مكاسب آنية، هو أنها تُقدم على لعبة بالنار قد تحرقها قبل غيرها. فاستجابة إثيوبيا لهذه المخططات الخارجية لا تنطلق من فراغ؛ بل تتقاطع مع أجندة توسعية تاريخية لديها في الأراضي السودانية، وتحديداً في منطقة الفشقة الخصبة، التي ظلت محل نزاع حدودي وعسكري لعقود. لطما سعت أديس أبابا لفرض أمر واقع في هذه المناطق، والاستعدادات الحالية قد تكون مقدمة لحملة جديدة للتوغل والضم تحت غطاء انشغال القوات المسلحة فيما يدور في غرب السودان . وهذا ما تؤكده التحركات الميدانية التي لا تقتصر على الجيش الوطني الإثيوبي فحسب، بل تشمل أيضاً عمليات نقل وتجنيد للمرتزقة، وتصريحات مُحرضة من بعض القيادات القبلية في شرق السودان تهدف لإثارة الفتنة والنعرات العنصرية، في محاولة لخلق بيئة مواتية للتدخل.

ولكن الطبخة الجيوسياسية في المنطقة أكثر تعقيداً من مجرد صراع حدودي ثنائي. فهناك لاعب دولي آخر تظهر أطراف أصابعه في هذا الملف، وهو العدو الاسرائيلي . تُثير تقارير من دوائر استخباراتية إقليمية احتمال وجود صفقة ثلاثية الأطراف تجمع بين تلك دويلة الشر المشبوهة وأديس أبابا وتل أبيب. حيث ترغب الأخيرة في إيجاد موطئ قدم دائم في القرن الإفريقي، وأحد السيناريوهات المطروحة هو بناء مستوطنات لليهود الإثيوبيين “الفلاشا” الذين تم ترحيلهم إلى إسرائيل في ثمانينيات القرن الماضي ضمن عملية “موسى” الشهيرة. فالكثير من أبناء هذه الجماعة لم يندمجوا بشكل كامل في المجتمع الإسرائيلي، ويعانون من تمييز، مما يخلق رغبة لدى حكومة نتنياهو في “إعادة توطينهم” خارج أراضيها، وفي نفس الوقت تحقيق وجود استراتيجي في منطقة تطل على البحر الأحمر وتشرف على مدخله الجنوبي. ما يشكله ذلك من تهديد مباشر لمصالح مصر والأمن القومي العربي برمته هو أمر لا يحتاج إلى شرح.

هذه التحركات المُركبة، برغم خطورتها، لا تمر مرور الكرام. فالمتغير الأهم الذي قد لا يكون محل تقدير كافٍ في أديس أبابا هو دخول مصر بشكل حاسم على الخط. فمصر، التي تراقب بقلق بالغ أي تهديد لأمن السودان واستقراره باعتباره عمقاً استراتيجياً لها، ولديهما اتفاقية دفاع مشترك وثيقة الصلة. التقارير تفيد بأن القاهرة قد بدأت في تفعيل بنود هذه الاتفاقية، من خلال تقديم دعم استخباراتي ولوجستي عاجل للسودان، وربما تكون قد رفعت درجة استعداد قواتها على الحدود الجنوبية. دخول مصر، القوة العسكرية والإقليمية الأكبر، كفيل بتغيير المعادلة برمتها وردع أي مغامرة عسكرية واسعة النطاق. وهو ما يجعل من خبث المخطط الحالي أنه يخاطر بإشعال مواجهة إقليمية شاملة، قد لا تُحمد عقباها.

وبين هذا كله، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: ما الهدف النهائي؟ ثمة تحليل غير تقليدي يرى أن العدو الإسرائيلي، بتحريض من حلفائه، قد تكون مستعدة لدفع المنطقة إلى حافة الهاوية لتحقيق “فوضى خلاقة” تخدم مخططاتها طويلة المدى. فإشعال حرب حدودية بين السودان وإثيوبيا، مع احتمال تورط مصر عبر اتفاقية الدفاع المشترك، قد يخلق الظرف المثالي لضرب سد النهضة الإثيوبي وإلصاق التهمة بالقوات المصرية. مثل هذا السيناريو الكارثي، وإن بدا متطرفاً، إلا أنه يحقق لأطراف عدة أهدافاً قذرة: إغراق السودان في حرب لا طاقة له بها وتدمير ما تبقى من بنيته التحتية، وتصفية الحساب بين مصر وإثيوبيا حول مياه النيل لصالح طرف ثالث، وربما افتعال أزمة إنسانية ضخمة تُستخدم كورقة ضغط دولية. إنه لعب بمصاير الشعوب من أجل مكاسب جيوسياسية ضيقة.

في الختام، إن المشهد على الحدود السودانية الإثيوبية هو أكثر من مجرد استعراض عضلات أو مناورة تكتيكية؛ إنه اختبار حقيقي لاستقرار نظام إقليمي هش، وكشف صارخ لكيفية استغلال القوى الخارجية للصراعات الداخلية لتحقيق أهداف توسعية. التحركات الحالية تفرض على السودان رفع درجة الاستنفار في الإقليم الشرقي، وخصوصاً في الشريط الحدودي لولاية القضارف، وتفعيل آليات الدفاع المحلي والتعبئة الشعبية. ولكن الأهم من ذلك، هو أن تدرك أديس أبابا أن الانزلاق في هذا المستنقع، بتحريض من دويلة الشر التي تسعى لتفكيك السودان ودعم مليشيا الدعم السريع التي تسببت في دمار البلاد، هو مغامرة غير محسوبة العواقب. فالنار التي تسعى تلك الدويلة لإشعالها في شرق السودان قد تلتهم أولاً مكتسبات إثيوبيا في الفشقة، وتدفع بعلاقاتها مع جيرانها إلى نقطة اللاعودة، وتجعل من سد النهضة، حلمها القومي، هدفاً في مرمى نيران صراع إقليمي لا تبقي ولا تذر. اللعبة على الحدود الشرقية للسودان لم تعد لعبة إثيوبية فقط؛ لقد أصبحت رهاناً وجودياً لمستقبل القرن الإفريقي بأسره، والأيام القليلة المقبلة كفيلة بكشف الوجه الحقيقي لكل الأطراف المتورطة في هذه الآلة الجيوسياسية الخطيرة.

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة