30.5 C
Khartoum
الخميس, فبراير 5, 2026

شيء للوطن / م.صلاح غريبة : الخرطوم تنادي: هل تكفي العاطفة وحدها للعودة؟

إقرأ ايضا

فتحت العاصمة السودانية ذراعيها مجددًا، وبدأت ملامح الحياة تدب في شوارع الخرطوم مع موجات “العودة الطوعية” التي اختارها الكثيرون ممن ضاقت بهم سبل الغربة أو غلبهم الحنين إلى الديار. ولكن، وبينما تُظهر التقارير انتعاشًا في الأسواق وحركة في الأحياء، يصطدم العائدون بواقع اقتصادي مرير؛ غلاء فاحش، انعدام للوظائف، وتكلفة معيشية تجعل “الاستقرار” معركة يومية لا تقل ضراوة عن الظروف التي غادروها.
هنا يبرز تساؤل جوهري طُرح في سياق تجارب سابقة، ولكنه يلمس جرح المواطن السوداني اليوم: “متى تشعر بالتحسن؟”. وإذا كانت الإجابة التقليدية هي “اعملوا أكثر”، فإن الواقع يقول إن الناس لم تعد تملك طاقة لمزيد من الجهد البدني في ظل انعدام الموارد والأدوات.
لا يمكن أن نطلب من عائدٍ فقد مدخراته أو توقف عمله لشهور أن “يبدأ من الصفر” دون أن نمهد له الأرض. العائدون للخرطوم اليوم يواجهون تحديات مركبة ومنها تآكل القوة الشرائية، حيث تسبق الأسعار الدخول بمراحل ضوئية، وشح الفرص فالمصانع والشركات التي تضررت تحتاج وقتاً للتعافي، مما يجعل “البحث عن وظيفة” رحلة في طريق مسدود، بالاضافة الى تأمين الاحتياجات الأساسية، حيث تحولت الوجبات اليومية إلى هَمٍّ يشغل التفكير بدلاً من أن يكون تفصيلاً عادياً في الحياة.
إن العودة الطوعية لا ينبغي أن تكون مجرد “رقم” في كشوفات النازحين واللاجئين، بل يجب أن تتحول إلى “قوة ضاربة” لإعمار المدينة. وهذا لن يحدث بالخطابات الحماسية، بل بقرارات اقتصادية جريئة وملموسة وتشمل: ضرورة حدوث ثورة في التمويل الأصغر، ويجب على البنوك والمؤسسات المالية تبسيط سياسات التمويل الأصغر. نحن بحاجة إلى قروض إنتاجية ميسرة تستهدف أصحاب الحرف والمهن الصغيرة الذين يمثلون العمود الفقري للاقتصاد المحلي في الخرطوم، بالاضافة الى ضمانات بنكية مرنة، اشتراط ضمانات تعجيزية لمن لا يملك سوى “منزله العائد إليه” هو حكم بالإعدام على المبادرات الفردية. المطلوب هو “تبسيط إجراءات التسليف” بضمانات موثوقة ولكن غير معقدة، تتماشى مع ظروف الحرب وما بعدها، بالاضافة الى تسهيلات جمركية “للعائدين”، فمن غير المنطقي أن يدفع العائد رسومًا باهظة على أثاثه المنزلي أو معداته المهنية التي جلبها معه. تسهيل دخول اللوازم المنزلية والأدوات الأساسية سيسهم في خفض تكلفة المعيشة الأولية ويوجه سيولة العائدين نحو الاستثمار الداخلي بدلاً من دفعها كرسوم وجبايات.
المواطن العائد لا يبحث عن معجزات، بل عن “ردود تقنعه” وتسهيلات تمنحه القدرة على العمل والإنتاج. إن تحويل “العودة” من مجرد عاطفة جياشة إلى “انتعاش اقتصادي مستدام” يتطلب من صانع القرار التوقف عن ترديد عبارات الصبر، والبدء فوراً في فتح نوافذ التمويل وتسهيل حركة البضائع والمدخرات.
الناس لا تريد شعارات.. الناس تريد أن تعيش بكرامة في بيوتها.

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة