31.3 C
Khartoum
الأربعاء, فبراير 11, 2026

وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي خرائط الدم والخيانة ..!

إقرأ ايضا

التطورات المتسارعة التي نشهدها هذه الأيام في محاولات إنقاذ المليشيا تجعلنا في هذا المقال نطرح سؤالين مهمين في محاولة للإجابة عليهما .. كيف تُدار حرب السودان من وراء الستار؟ ، ولماذا سقطت الأقنعة الآن؟ لم تعد حرب السودان قابلة للفهم بتوصيفها أنها صراعًا داخليًا على السلطة أو نتيجة تعثّر انتقال سياسي، بل غدت نموذجًا لحرب مركّبة تُدار عبر شبكة إقليمية تتقاطع فيها المصالح الأمنية والجيوسياسية، وتُستخدم فيها المليشيا كأداة وظيفية لإعادة تشكيل الدولة وفق رؤية إقليمية.

تقارير رويترز التي بثتها بالأمس قناتا العربية والحدث، عن” أن إثيوبيا تستضيف معسكراً سرياً لتدريب قوات الدعم السريع السودانية، بمساندة إماراتية من خلال التمويل والمدربين والدعم اللوجستي” ، فيما كشفت “براون لاند” صور المعسكرات، بهذا فقد تجاوزت المؤامرة الإقليمية إلى تفكيك الأساس السياسي الذي تقوم عليه منظومة الوساطة الدولية.

هذا التطور اللافت يضع الوسطاء أمام مأزق أخلاقي وقانوني، ويحرج المقاربات التي ما تزال ترى في “الرباعية الدولية” و الإمارات ضمنها مدخلًا للحل، بينما تشير الوقائع المتجددة إلى تورطها في تغذية آلة الحرب.

ويمتد هذا الخذلان، في بعده الأمني والسياسي، ليشمل إثيوبيا الدولة التي لم يرَ منها السودان تاريخيًا إلا جوارًا طبيعيًا وشريكًا في المصير، فإذا بها – وفق ما كُشف – تتحول إلى منصة خلفية لتدريب المقاتلين وتسهيل العبور، في مشهد لا يعبّر فقط عن تورط سياسي، بل عن انقلاب في معنى الجوار والأمن المشترك. هنا لا تتصدع فقط فكرة “الوساطة الإقليمية”، بل تنهار معها فرضية حسن النية التي بُنيت عليها، ويتأكد أن خرائط الدم لا تُرسم داخل حدود السودان وحده، بل تُدار من وراء ستار تتقاطع فيه المصالح مع الإنكار، وتُسوَّق فيه الخيانة بلبوس الدبلوماسية.

ما كُشفته رويترز مؤخرًا لم يضف مجرد معلومة إلى المشهد، بل نقل الصراع من دائرة الشبهات إلى فضاء الأدلة، ومن خطاب الإتهام السياسي إلى منطق التورط الممنهج الذي يضع خريطة الحرب في إطارها الحقيقي: مشروع إقليمي طامع في الموارد يتغذى على الفوضى، ويعمل في الظل.

في هذا السياق لم تعد الإدانات الدولية مجرد بيانات باردة، بل أصبحت تعبيرًا عن تحوّل نوعي في السردية العالمية تجاه الحرب. فحين يصف الاتحاد الأوروبي الهجمات على قوافل الإغاثة والمستشفيات والنازحين بأنها “جرائم جسيمة لن تمر دون عقاب”، وحين تتقاطع هذه اللغة مع مواقف صريحة من المملكة العربية السعودية ومصر وقطر والجامعة العربية وتركيا، فإن ذلك يعكس اعترافًا ضمنيًا بأن ما يجري في السودان لم يعد نزاعًا مسلحًا تقليديًا، بل تهديدًا مباشرًا للأمن الإقليمي.

ومحاولة منظمة لإعادة إنتاج الفوضى كسوق سياسية مفتوحة. هذا التلاقي في المواقف، جاء نتيجة عمل دبلوماسي كثيف استطاع أن ينقل صورة موثقة عن طبيعة المليشيا، ويكسر رواية “الطرفين المتكافئين”، ويعيد تعريف الصراع بوصفه مواجهة بين الدولة ومشروع تمرد عابر للحدود.

غير أنّ خريطة الدم لا تقتصر على الأدوار الإقليمية، ولا تكتمل من دون تفكيك الدور الداخلي المزدوج الذي لعبته بعض القوى السياسية “صمود” التي ادّعت الحياد، بينما كانت – في العمق – شريكًا موضوعيًا في تمهيد الطريق لانقلاب مليشيا الدعم السريع في 15 أبريل 2023. فهذه القوى التي سوّقت نفسها وسيطًا مدنيًا أو “طرفًا ثالثًا”، لم تكن خارج المعادلة، بل في قلبها، إذ أسهم خطابها في محاولة نزع الشرعية عن الدولة، وشيطنة الجيش، وتطبيع وجود المليشيا كفاعل سياسي، بما منحها الغطاء الرمزي الذي احتاجته للانتقال من شريك مضطرب إلى خصم مسلح.

لقد ارتكز هذا “الحياد الزائف” على استراتيجية خطيرة: إعادة تعريف الصراع من حرب ضد تمرد مسلح إلى “نزاع بين طرفين متكافئين”، تحت لافتة انسانية ” لا للحرب” وهو توصيف أفرغ الدولة من معناها، وفتح الباب أمام تدويل الأزمة وتفويض الخارج بتحديد مستقبل السودان. ومع كل بيان يدعو إلى “وقف متزامن لإطلاق النار”، دون إدانة واضحة للانقلاب، كانت تُرسَّخ معادلة سياسية تُساوي بين من يحمل شرعية الدولة وبدفع عنها ومن تمرّد عليها بالسلاح، في سابقة تُقوّض فكرة السيادة ذاتها.

الأخطر أن هذه القوى بقيادة د. عبد الله حمدوك لم تكتفِ بالصمت، بل انخرطت في تسويق سردية المليشيا دوليًا عبر منصات حقوقية وإعلامية، وقدّمت نفسها شاهدًا “محايدًا” على جرائم مدعاه، في محاولة لإدانة الجيش عبر ادعاءات عن استخدام أسلحة كيميائية بينما تغاضت عن الجريمة الكبرى: الانقلاب على الدولة بقوة السلاح والانتهاكات التي ظلت ترتكبها المليشيا. وهكذا تحوّل “المدني المرتهن” إلى جسر عبور سياسي” للمسلّح، المنتهك” ، في مفارقة تُجسّد انحراف السياسة حين تنفصل عن أخلاقياتها.

إن مساءلة هذا الدور قانونا ليست تصفية حسابات، بل شرط لإعادة بناء العملية السياسية على أساس وطني. فالدولة التي تنشد السلام لا يمكنها أن تُساوي بين من يحميها ومن يهدد وجودها، ولا أن تُعيد تدوير قوى ساهمت – بقصد – في شرعنة الانقلاب وحمايته . وفي هذا السياق، يصبح تفكيك خطاب “الحياد” ضرورة تاريخية، لأنه لم يكن حيادًا، بل تموضعًا خفيًا في معسكر الفوضى، حتى وإن كُتب بلغة ناعمة ملتبسة.

بحسب #وجه_الحقيقة، يكتمل المشهد بثلاث دوائر: شبكة إقليمية تموّل، ووساطة دولية تُضلّل، وقوى داخلية تُبرّر. لكن انكشاف الخرائط، وتماسك الدولة، ونهوض أبنائها للدفاع عنها ووضوح السردية الوطنية، كلها تؤكد أن زمن الخداع يقترب من نهايته، وأن السودان يستعيد صوته وإرادته، ويكتب فصله القادم بمداد السيادة، لا بدماء الوصاية والخيانة والخذلان .

دمتم بخير وعافية.
الأربعاء 11 فبراير 2026 م Shglawi55@gmail.com

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة