وعلى حد قولي:
إذا خانَ المسؤولُ عهدَ امبدة
بكتْ الشوارعُ واستغاثَ المدى
أمبدةُ إن ضاقتْ على خبر المرافئُ
تبقى الكرامةُ فيها مبتدى
أمبدة ليست مدينة عابره في خارطة الخرطوم، ولا رقماً هامشياً في تقارير الأداء الإداري. أمبدة كانت خط الدفاع الأول، وكانت الترس الذي تصدّى للنار حين اشتعلت أطراف العاصمة، وكانت الحائط الذي احتمت به قيادة المنطقة العسكرية في وادي سيدنا في أحلك ساعات المواجهة. دفعت من دمها، وقدّمت من شبابها آلاف الشهداء، ووقفت في خندق الوطن حين تراجع آخرون إلى الظلال.
اليوم، وبعد أن هدأ صوت الرصاص، يعلو سؤال موجع لماذا تُعاقَب أمبدة على وفائها؟
الخدمات في المحلية تعاني اختلالاً واضحاً، وكأنها خارج جغرافيا ولاية الخرطوم. محليات استعادت عافيتها نسبياً مستشفيات فُتحت، أسواق انتظمت، زيارات وزارية توالت. لكن أمبدة تبدو وكأنها خارج جدول الاهتمام. وزير التربية والتعليم زار المحليات، إلا أمبدة. وزير الصحة جال على المرافق، إلا أمبدة. أهي مصادفة إدارية أم خلل في ترتيب الأولويات؟
(ولا خاتننا تحلية)
الشكوى لم تعد همساً في المجالس، بل حديث شارع. تجاوزات في بعض اللجان، إدارات مترهلة، منظمات تحمل أسماء براقة بلا أثر ملموس على الأرض، واتهامات بأن موارد ومساعدات تُدار داخل دوائر ضيقة لا تتجاوز حدود الأمين العام وبعض ضباط المكتب التنفيذي. إن صحّ هذا، فهو خلل بنيوي لا يُعالج بالصمت.
الزكاة، التي وُجدت لتصل إلى المستحقين، تُثار حولها تساؤلات. حديث عن توزيع يتم بالدس، وأسماء تتصدر كشوفات الدعم وهي ليست الأولى بالاستحقاق، فيما أرامل وعافون يجلسون في منازلهم بلا سند. معيار الاستحقاق يجب أن يكون الفقر والحاجة، لا القربى والنسب والمصاهرة.
أما لجان الخدمات في الأحياء، فقد أصبحت وفق ما يرويه المواطنون رهينة العلاقات الاجتماعية، حيث تتكرّس الإدارة داخل دوائر مغلقة. حين تُدار الشأن العام بروابط القرابة بدل الكفاءة، تتحول الخدمة إلى امتياز لا إلى حق. وهذا أخطر ما يمكن أن يصيب جسد الإدارة المحلية.
وفي قطاع التعليم، يُتداول حديث عن فوضى إدارية وتسيّب، بل وعن عناصر لا تخدم استقرار البيئة التعليمية. المدرسة ليست ساحة صراع، بل مصنع وعي. وأمبدة التي درست “الحصة وطن” لا تستحق أن تتحول مدارسها إلى نقاط توتر أو تصفية حسابات.
إن ما يجري في أمبدة إن ثبتت صحته بالتحقيق المؤسسي لا يُختصر في تقصير خدمي، بل يرقى إلى أزمة ثقة بين المواطن والإدارة. وأخطر ما يُهدد المجتمعات بعد الحروب هو الشعور بالتهميش، لأن الإحباط المتراكم قد يهدم ما لم تستطع الحرب هدمه.
النداء اليوم موجّه بوضوح إلى والي الخرطوم الأستاذ أحمد عثمان حمزة، وإلى السيد أبوالقاسم آدم، وإلى منسقي لجان الخدمات أمبدة لا تطلب امتيازاً، بل عدالة. لا تطلب تفضيلاً، بل مساواة ببقية المحليات. لا تريد خطباً، بل أفعالاً ملموسة.
المطلوب لجنة تقصّي حقائق مستقلة تراجع أداء لجان الخدمات إدارياً ومالياً، وتدقق في ملفات الزكاة والمنظمات، وتعيد هيكلة لجان الخدمات على أساس الانتخاب الحر والشفافية. المطلوب زيارات ميدانية لا بروتوكولية، والاستماع المباشر للمواطنين بعيداً عن الفلاتر التنظيمية.
أمبدة التي كانت في خندق الوقي، لا يجوز أن تُترك في خندق الإهمال. من حمل روحه على كفه دفاعاً عن الوطن، يستحق أن تُحمل قضيته بصدق في مكاتب المسؤولين. الثقة التي منحها المواطن لقيادته خلال حرب الكرامة، يجب أن تُقابل اليوم بعدالة في السلم.
المعركة الآن ليست بالسلاح، بل بالإدارة الرشيدة. ليست بالمتاريس، بل بالخدمات. وليست بالشعارات، بل بالشفافية.
أمبدة لا تزال وفية
لكنها تنتظر وفاء الدولة لها
وأنا سأكتب للوطن حتى أنفاسي الأخيرة


