الروصيرص : عبق نيوز
إنعقد مؤتمر الصلح المجتمعي بين قبيلتي كنانة والهوسا بالريف الشمالي محطةً مضيئة في سجل الحكمة المجتمعية، وخطوةً واثقة في الاتجاه الصحيح نحو ترسيخ الاستقرار وتوحيد الجبهة الداخلية. ففي لحظاتٍ تحتاج فيها المجتمعات إلى تغليب صوت العقل على ضجيج الخلاف، يأتي الصلح ليؤكد أن القيم الراسخة من تسامحٍ وتعافٍ اجتماعي لا تزال حية في وجدان الناس، وقادرة على تجاوز العثرات مهما تعاظمت..
حيث يعتبر الصلح بين المكونات الاجتماعية ليس حدثاً عابراً يُطوى بانتهاء مراسمه، بل هو فعلٌ أخلاقي ومسؤولية جماعية، يؤسس لمرحلة جديدة من العلاقات تقوم على الاحترام المتبادل، وصون الحقوق، وتعزيز وشائج القربى والجوار. وهو في جوهره انتصارٌ لإرادة الخير على نوازع الفرقة، وتجسيدٌ عملي لقول الحق تعالى: “والصلح خير”، بما يحمله من معانٍ عميقة في إصلاح ذات البين وتقوية النسيج الاجتماعي..
لقد أثبت هذا الصلح أن المجتمعات التي تعي خطورة الانقسام، وتستشعر قيمة التماسك، قادرة على احتواء الخلافات في مهدها، وتحويلها إلى فرصٍ لإعادة البناء وترميم الثقة. فالريف الشمالي، بما يزخر به من تنوعٍ اجتماعي وثقافي، يحتاج إلى مثل هذه المبادرات التي تُعلي من شأن الوحدة، وتُحصّن الجبهة الداخلية في وجه كل ما يهدد استقرارها..
وتكمن أهمية هذا الحدث في توقيته ودلالاته؛ إذ جاء ليبعث برسالة واضحة مفادها أن السلام خيارٌ استراتيجي لا بديل عنه، وأن المصالحات المجتمعية تمثل ركيزة أساسية لأي مشروع تنموي أو استقرار أمني. فلا تنمية بلا أمن، ولا أمن بلا وفاقٍ اجتماعي صادق يُزيل أسباب الاحتقان، ويؤسس لبيئة يسودها التعاون والتكافل..
كما أن هذا الصلح يعكس نضج القيادات الأهلية، ووعي المجتمع بأهمية الاحتكام إلى الحكمة والتشاور، بعيداً عن الانفعال أو التصعيد. وهو كذلك تأكيد على أن وحدة الصف ليست شعاراً يُرفع، بل ممارسة عملية تتجلى في تجاوز الخلافات، وتغليب المصلحة العامة على المصالح الضيقة..
إن ما تحقق بين كنانة والهوسا اليوم ينبغي أن يُنظر إليه كنموذج يُحتذى به في إدارة التنوع بروح الأخوة، وكدليلٍ على أن المجتمعات المتماسكة قادرة على تصحيح مسارها بذاتها متى ما توفرت الإرادة الصادقة. فالصلح ليس فقط إنهاءً لخلاف، بل هو تأسيسٌ لمرحلة من التعاون والتكامل، تعزز الاستقرار وتفتح آفاقاً أرحب للمستقبل..
وفي نهاية المطاف، يبقى الصلح خيراً بين المجتمعات، لأنه يحفظ الدماء، ويصون الكرامة، ويُعلي من شأن القيم التي تبني الأوطان. وما انعقاد هذا الصلح إلا خطوة مباركة نحو مجتمع أكثر تماسكاً، وجبهة داخلية أكثر قوةً، ومستقبلٍ تُصنع ملامحه بإرادة السلام ووحدة الصف..
كامل الشكر والتقدير والاحترام للقيادات المجتمعية بالريف الشمالي على راسهم العمدة دفع الله شيخ فضل المولى والدكتور عرفات الصادق وأبوجلابية والأستاذ حامد دفع الله وكافة القيادات الذين كان لهم القدح في هذا الصلح..


