32.4 C
Khartoum
الجمعة, فبراير 13, 2026

قوات الدفاع المدني بولاية نهر النيل: جهود بطولية تحت الماء ووقفة صادقة فوق الأرض قلم وطني بقلم: خالد المصطفى إعلام لواء الردع

إقرأ ايضا

في ساعة متأخرة من مساء الأربعاء، انقلب مركب كان يقل أكثر من خمسة وعشرين راكباً في عرض نهر النيل قبالة قريتي ديم القراي وطيبة الخواض بولاية نهر النيل، ليتحول العبور اليومي بين الضفتين إلى مأساة أذهلت المنطقة. المركب أقلع محملاً برجال ونساء وأطفال يعودون إلى ديارهم بعد قضاء شؤونهم، والنهر الذي عرفوه ممراً آمناً منذ طفولتهم غداة فجأة سجناً مائياً يبتلع الأنفاس. في غضون دقائق، كان الأهالي على الضفتين يشاهدون أبناءهم وبناتهم يتخبطون في الموج، والمراكب الصغيرة تهرع للإنقاذ بما توفر من إمكانيات، بينما ارتفعت صرخات النساء تتصدى لصمت النيل الثقيل. لم يكن أحد يعلم في تلك اللحظة أن هذه الحادثة ستتحول إلى اختبار حقيقي لجاهزية أجهزة الطوارئ، وملحمة إنسانية تجمع أبطال قوات الدفاع المدني والضفادع البشرية تحت إشراف مباشر السيد الفريق شرطة حقوقي د. عثمان عطا مصطفى وقيادات من الصف الأول بوزارة الداخلية.

مع بزوغ فجر اليوم التالي، كانت غرفة عمليات قوات الدفاع المدني بولاية نهر النيل يقودها السيد العميد شرطة/ أحمد يوسف عبد الله خير قد استنفر كامل طاقمه فور تلقي البلاغ ووجّه بوضع جميع الوحدات في حالة استعداد قصوى، والدفع بفرق الإنقاذ النهري إلى موقع الحادث. غير أن حجم الكارثة وتوسع رقعة البحث استدعيا تدخلاً أوسع، إذ أصدر السيد الفريق شرطة/ حقوقي دكتور عثمان عطا مصطفى، مدير عام قوات الدفاع المدني، توجيهاته الفورية بتعبئة إمكانيات غير مسبوقة، شملت تحريك قوة إسناد متكاملة من وحدة الإنقاذ النهري والضفادع البشرية بالخرطوم، مزودة بأحدث أجهزة المسح تحت الماء وقوارب الإنقاذ السريعة وعدد من الغطاسين المهرة. وما إن وصلت التعزيزات حتى انتظمت في خطة عمل محكمة بالتنسيق مع فرق الولاية، تحت إشراف السيد اللواء شرطة قرشي حسين عبدالقادر، مساعد المدير العام للطوارئ والشؤون الفنية، الذي انتقل فوراً إلى محلية المتمة لمتابعة العمليات ميدانياً وتقديم واجب العزاء لأسر الضحايا.

في موقع الحادث، تحول مشهد الانتشال إلى لوحة إنسانية نادرة تجمع الدقة العسكرية مع الرعاية الأبوية. رجال الضفادع البشرية يغوصون في المياه العكرة ساعة تلو الأخرى، يفتشون في القاع الموحل بأيديهم المجردة أحياناً، حاملين مع كل جثة ينتشلونها دعوات الأهالي التي تسبق صبرهم. ولم تكن الأرض أقل ازدحاماً بالمشاعر، إذ ظل العقيد شرطة سعيد آدم، مدير شرطة محلية المتمة، مرابطاً في موقع الغرق منذ اللحظة الأولى التي تلقى فيها البلاغ وحتى منتصف الليل، متلقياً اتصالات المواطنين ومتابعاً وصول فرق الإنقاذ، ليبيت ضيفاً في منازل الأهالي مع رجاله، ثم يتحرك مع الفجر لاستئناف عملية البحث دون كلل. هذا الرباط المتواصل بين القيادات الميدانية وأبناء المجتمع هو ما وصفه أهالي المنطقة بـ”الوقفة الصلبة التي خففت وطأة المصاب”، وجسدته زيارة السيد الفريق شرطة/ حقوقي دكتور عثمان عطا مصطفى برفقة وفد رفيع من قيادات قوات الدفاع المدني، حيث جاب منازل الثكالى في ديم القراي وطيبة الخواض، يمسك بأيدي الأمهات ويشارك الرجال العزاء بكلمات تفيض إيماناً ومواساة.

وبينما كانت الجثامين تنتشل الواحدة تلو الأخرى—من بينها جثمان مصطفى العوض سمساعة، وطفلة حاتم حسن العبيد، وثلاث شقيقات من أسرة اللغا، إلى جانب عدد من الأطفال والنساء—تواترت أنباء عن انتشالات جديدة بجهود متواصلة لا تعرف الكلل. فرق الإنقاذ لم تغادر الموقع رغم الإرهاق، وقوارب المسح لم تتوقف عن تمشيط المجرى النهري لمسافات بعيدة، في مشهد يعكس مقدار المسؤولية التي تحملها رجال الدفاع المدني الذين آثروا البقاء في العراء على ضفاف النيل حتى يعيدوا كل مفقود إلى أهله. وفي هذا السياق، برزت روح الفريق الواحد بين مختلف الوحدات؛ فإلى جانب الضفادع البشرية، سخرت شرطة محلية المتمة كل إمكانياتها اللوجستية، وساهمت فرق الإسعاف والطوارئ في نقل المصابين وتأمين وصول ذوي الضحايا إلى المستشفيات، في تنسيق أشاد به الجميع وأكد جاهزية الأجهزة رغم التحديات.

اللافت في هذه الاستجابة ليس فقط سرعة التحرك، بل روح الشكر والعرفان التي طغت على ردود أفعال الأهالي، الذين حرصوا على توجيه رسائل تقدير علنية لقوات الدفاع المدني وقياداتها. ففي منشور مؤثر تناقلته وسائل التواصل، كتب عمر الخواض أحمد محمد سمساعة، أحد أقارب الضحايا، شكر السيد الفريق شرطة/ حقوقي دكتور عثمان عطا مصطفى والسيد اللواء شرطة/ قرشي عبد القادر على حضورهم الشخصي ومواساتهم له وهذه اللحظة وصفها بـ”البلسم”، كما رفع أسمى آيات الشكر والتقدير للعميد شرطة/ أحمد يوسف عبد الله خير وللعقيد شرطة/ سعيد آدم وقال الذين “انتظروني حتى أكملت كلامي في الهاتف ثم أخبروني أنهم في موقع الحادث بالفعل” وشكر ضباط وضباط صف وجنود قوات الدفاع المدني. هذه الشهادات الحية تتحول إلى وثائق مجتمعية تخلد بطولات صامتة لا تظهرها عدسات الكاميرا غالباً، لكنها تترك أثراً لا يُمحى في قلوب الذين لمسوا عن كثب معنى أن تكون الدولة حاضرة في محنة أبنائها.

التأمل في مجريات هذه الحادثة يكشف عن تطور نوعي في آليات قوات الدفاع المدني بإدارة الطوارئ والكوارث بالبلاد، فوجود قائد بهذا المستوى يحمل أعلى رتبة ويشرف بنفسه على تفاصيل الإنقاذ ويؤدي العزاء في بيوت المواطنين البسطاء لم يعد مجرد بروتوكول رسمي، بل تحول إلى نهج مؤسسي يضع المواطن في قلب الأولويات. السيد الفريق شرطة/ حقوقي دكتور عثمان عطا مصطفى لم يكتفِ بالتوجيه من المكتب، بل حضر إلى الشريط النهري بولاية نهر النيل، ووقف على ضفاف النيل يتابع عمليات الغطس، واستمع إلى مطالب الأهالي، وأصدر تكليفاته الفورية بتعزيز الجهد الهندسي والفني في عمليات البحث. هذا الحضور الميداني للقيادات العليا يعكس ثقافة تنظيمية راسخة في قوات الدفاع المدني، تترجم شعار “الخدمة الإنسانية” إلى أفعال ملموسة في أصعب الظروف.

وفي الأفق، تبرز أسئلة مشروعة حول مستقبل السلامة النهرية في هذه المناطق التي تربط مئات القرى، وقد أشار مسؤولون في قوات الدفاع المدني، خلال زياراتهم الميدانية، إلى ضرورة تطوير آليات الإنذار المبكر في كل الولايات وتوفير المزيد من نقاط الإنقاذ الثابتة على امتداد المجرى النهري، مع تكثيف برامج التوعية للصيادين وقائدي المراكب. كما برزت دعوات محلية لإنشاء كبري يربط ضفتي النيل في هذه البقعة التي تزداد كثافة سكانية، وهو ما لقي آذاناً صاغية من المسؤولين الذين تعهدوا برفع هذه المطالب إلى الجهات المختصة. إن ما حدث في ديم القراي وطيبة الخواض ليس مجرد حادثة عابرة، بل علامة فارقة قد تسرع في إعادة النظر في سياسات النقل النهري وتأهيل البنية التحتية للمراسي، خاصة مع توفر الإرادة الرسمية التي تجسدت في الزيارات الميدانية رفيعة المستوى.

في الختام، تظل صورة السيد الفريق شرطة/ حقوقي دكتور عثمان عطا مصطفى واللواء شرطة/ قرشي عبد القادر والعميد شرطة/ أحمد يوسف عبد الله خير وضباط وضباط صف وجنود قوات الدفاع المدني وهم يؤدون واجب العزاء بين أهالي الضحايا، ورجال الضفادع البشرية يغوصون في النيل بلا كلل، وهم مرابطين حتى الفجر، كلها صور تختزل معنى العطاء بلا حدود. لقد أثبتت قوات الدفاع المدني مرة أخرى أنها رئة الوطن التي تتنفس عند كل أزمة، وأن ضباطها وضباط صفها وجنودها هم سدنة الحياة الذين لا يرضون بديلاً عن إنقاذ الأرواح. نسأل الله أن يتغمد الضحايا بواسع رحمته، وأن يلهم ذويهم الصبر والسلوان، وأن يحفظ السودان وأهله من كل سوء، إنه سميع مجيب.

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة