يوم الصرف… ذلك اليوم الذي كانت تنتظره القرى كما تنتظر الأرض المطر، وكما ينتظر القلب نبضة الفرح. من منا لا يعرف يوم الصرف؟ الكبار والصغار، الرجال والنساء، حتى الأطفال كانوا يشعرون بأن شيئًا كبيرًا سيحدث، بأن الحياة ستفتح نافذتها وتبتسم.
كانت دورة مشروع الجزيرة ثلاثية: عيش وفول وقطن، ثم تأتي الرابعة بور، لتستريح الأرض وتتهيأ لموسم جديد. لم نكن نعرف المصطلحات العلمية، لكننا كنا نفهم بفطرتنا أن الأرض مثل الإنسان، تتعب وتحتاج إلى راحة. تلك الدورة كانت درسًا مبكرًا في الحكمة، في الصبر، وفي أن كل شيء في الحياة له وقت.
في طفولتنا كنا جزءًا من المشهد الزراعي. كنا “المتربيّة”، نرمي البذور في الحفر التي يفتحها الزراع وهو يحمل “الجكجاكا”. كانت أيادينا صغيرة، لكننا نشعر بأننا نشارك في صنع الموسم. لم نكن نعرف أن تلك اللحظات ستصبح لاحقًا من أثمن الذكريات، وأن تلك الحفر الصغيرة كانت تحفر فينا معنى الانتماء للأرض.
وكانوا يقولون لنا: “القروش يوم الصرف”. عبارة بسيطة، لكنها كانت وعدًا بالحياة. أيام الصرف لم تكن يومًا واحدًا، بل أيامًا تتقاطر فيها القروش كما تتقاطر الحكايات. سلفة الزراعة، سلفة الحش، سلفة جلب العمال، سلفة اللقيط، ثم العلاوة والأرباح. كل ذلك يدور حول القطن، المحصول الأساسي، الذهب الأبيض الذي كانت تقوم عليه حياة المشروع والقرى.
في تلك الأيام كانت المكاتب تعج بالناس. المزارعون بجلابيبهم البيضاء وعممهم الكبيرة، التجار يعرضون بضاعتهم، الجزارون ينتظرون حركة السوق، وكلٌّ يحاول أن يسدد ديونه أو يبدأ دورة جديدة من الاستجرار. كانت المكاتب أشبه بخلية نحل، أصوات وضحكات ونداءات، وروائح قهوة وشاي، ووجوه متعبة لكنها مشرقة بالأمل.
أصحاب الدكاكين في القرية كانوا ينتظرون يوم الصرف كما ينتظر العطشان الماء. لكل صاحب دكان دفتر استجرار، دفتر ممتلئ بأسماء وأرقام وديون مؤجلة على وعد القطن. نحن كنا نستجر من دكان جدي جاد الله، وناس عمي يوسف ود الريح ، و حاج دفع الله، من حاج عطاء. كانت الدكاكين جزءًا من النسيج الاجتماعي، ليست مجرد تجارة، بل علاقة ثقة تمتد عبر السنين.
ما زلت أذكر بخيتة بنت حاج دفع الله، وكاكا بنت عمي يوسف. كنا نلتقيهن عصرًا، نشحد “سِفة سكر”، ففي ذلك الزمن كان السكر يصل. للبيت نص كانت الحلاوة حلمًا بسيطًا، وكان الضحك مجانًا. كنا نعود إلى البيوت وأيدينا ملتصقة بالسكر، وقلوبنا ملتصقة بفرح الطفولة.
دفاتر الاستجرار كانت ممتلئة: سكر، شاي، زيت، بصل، وبعض ضروريات الحياة. لم تكن الحياة غنية بالمال، لكنها كانت غنية بالعفة والطيبة والتكافل. الناس يعرفون بعضهم، ويحملون بعضهم في الضيق قبل الفرح. لم يكن أحد يشعر بالوحدة، لأن المشروع كان مجتمعًا كبيرًا، والقرية كانت عائلة.
ومن طقوس يوم الصرف أن يلبس الجميع نظيفًا. الجلابية المكوية، والعمامة البيضاء، والسروج المميزة للحمير. كان منظر القرية في ذلك اليوم مختلفًا، كأنها عروس تستعد للزفاف. بعد الفطور نتجمع جوار المقابر عند مدخل الحلة، تجاه مكتب رأس الفيل، حيث كانت معظم حواشات أهلنا. القليل كانوا في مكتب الجديد والطائف، لكن رأس الفيل كان مركز الذاكرة.
كنا ننتظر العربات، نراقب الناس وهم يعودون من المكاتب، بعضهم يحمل الأكياس، بعضهم يحمل الأخبار، وبعضهم يحمل فقط ملامح التعب والرضا. كانت الأحاديث تدور عن الأسعار، عن القطن، عن الموسم القادم، عن الدنيا التي لا تتوقف.
كان يوم الصرف عيدًا حقيقيًا. عيد بلا تقويم رسمي، لكنه محفور في القلوب. يوم تتحرك فيه الأسواق، وتفتح فيه البيوت أبوابها، وتعلو فيه الأصوات بالتحايا والضحكات. كان المشروع حينها مشروعًا بحق؛ حياة متكاملة، زراعة وثقافة ورياضة واجتماع.
كانت الثقافة حاضرة في المنتديات، وكانت الرياضة تشعل الحماس. دوري المكاتب كان مناسبة كبرى، تشترك فيه كل القرى. عندما يفوز مكتب بالكأس، يحتفل به الجميع، ثم ينتقل للتنافس على كأس القسم الذي يضم سبعة مكاتب. كانت المنافسة شريفة، وكانت الروح واحدة، وكانت الهزيمة مجرد وعد بمحاولة جديدة.
في تلك الأيام كان المشروع يصنع الإنسان كما يصنع القطن. يصنع الصبر في الحواشات، ويصنع التضامن في الأسواق، ويصنع الفرح في الملاعب. كان المشروع مدرسة للحياة، وكانت القرية فصلًا مفتوحًا على السماء.
اليوم، حين نتذكر يوم الصرف، نشعر بأننا نتذكر وطنًا صغيرًا داخل الوطن الكبير. نتذكر وجوه جدي جاد الله، وناس عمي يوسف، وحاج دفع الله، وحاج عطاء، وبخيتة، وكاكا، وكل الذين عبروا في حياتنا كما يعبر الموسم في الحقول. نتذكر رائحة الأرض بعد الري، وصوت “الجكجاكا”، وصراخ الأطفال وهم يرمون البذور، وضحكات النساء في طريق السوق.
هي ذكريات لا تُنسى. لكل واحد فينا يوم صرفه، ولكل قرية دفترها، ولكل مشروع قصته. لكن مشروع الجزيرة كان أكثر من قصة، كان حياة كاملة. وحين رحلت المواسم، رحل معها شيء من أرواحنا، وبقيت الذكريات تحرسنا من النسيان.
إلى لقاء في موسم آخر من الذاكرة، حيث لا يزال القطن أبيض في الحلم، ولا يزال يوم الصرف عيدًا في القلب.
رحيل المواسم في الوسط( ٥) يوسف عبدالرضي … يوم الصرف كان المشروع عيداً


