يحتفي العالم العربي في الرابع من أبريل لعام 2026 بيوم المخطوط العربي تحت شعار “المخطوط العربي: رحلة التحول والتجديد”. وهو شعار يحمل في طياته دلالات عميقة تتجاوز مجرد الاحتفاء الشكلي، ليلمس جوهر البقاء الثقافي في عصر مضطرب. وبينما تفتح المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو) أبواب النقاش حول “التحول والتجديد”، يبرز المخطوط السوداني كشاهد حي ومأساوي على ضريبة الحروب، حيث تحولت هذه الذخائر من كنوز معرفية مستقرة إلى “رهائن” مشردة أو رماد تذروه الرياح.
تمثل المخطوطات في السودان سجلًا تاريخيًا فريدًا يمزج بين الثقافة العربية الإسلامية والمكونات الإفريقية الأصيلة. ومع اندلاع الحرب مؤخرا، والصراعات المسلحة سابقا، لم تعد هذه المخطوطات مجرد أوراق عتيقة، بل أصبحت في قلب “المحرقة الثقافية”. إن التقارير الواردة عن تعرض مراكز الوثائق والمكتبات التاريخية للنهب أو الحريق أو التلف نتيجة الظروف المناخية القاسية وغياب الحماية، تعني أن السودان يفقد جزءًا من حمضه النووي الحضاري.
الحرب لم تكتفِ بتشريد البشر، بل شردت “التاريخ” أيضًا. المخطوطات التي كانت تقبع في مراكز العلم في الخرطوم، وأم درمان، وود مدني، وغيرها من المدن السوداني، باتت تواجه خطرين،الفناء الفيزيائي نتيجة القصف أو الحريق المباشر، او التسرب والتهريب، حيث تنشط في أوقات الفوضى تجارة الآثار، لتجد هذه الكنوز طريقها إلى مجموعات خاصة أو دول أخرى بطرق غير مشروعة.
إن شعار “رحلة التحول” الذي رفعه معهد المخطوطات العربية يجب أن يُقرأ سودانيًا كتحول من “مرحلة الأرشفة” إلى “مرحلة الإنقاذ والاسترداد”. إن استعادة المخطوطات السودانية من أيدي الغير —سواء كانوا أفرادًا استغلوا حالة الانفلات الأمني، أو جهات خارجية احتوت هذه المخطوطات بداعي الحماية أو بغيره— لم يعد ترفًا أكاديميًا، بل هو واجب وطني وقومي.
المخطوطات التي تخرج من سياقها الجغرافي في ظروف الحرب تفقد “روحها المكانية”، وتتحول إلى بضاعة صامتة في الرفوف الغريبة. لذا، فإن ضرورة التحرك لاستعادة هذا الإرث تقوم على ركيزتين، الشرعية التاريخية، فالمخطوط ملك للشعب الذي أنتجه، وهو جزء من سيادته الثقافية، والحماية من الاندثار، فالمخطوطات المهربة غالبًا ما تُحفظ في ظروف غير معيارية تؤدي إلى تأكل الورق والحبر، مما يعني ضياع النص إلى الأبد.
بمناسبة يوم المخطوط العربي، يجب ألا نكتفي بالندوات الخطابية، بل يتعين علينا تحويل التوصيات إلى فعل حقيقي عبر التوثيق الرقمي العاجل، فما تبقى من مخطوطات يجب رقمنتها فورًا لضمان بقاء “المحتوى” حتى لو فُقد “الوعاء”، وتفعيل الاتفاقيات الدولية، باستخدام مظلة (الألكسو) واليونسكو للمطالبة باستعادة المخطوطات التي خرجت بشكل غير قانوني خلال فترة الحرب.
نداء للمؤسسات والأفراد: على كل جهة أو فرد يضع يده على مخطوط سوداني في هذه الظروف أن يدرك أن الحفاظ عليه أمانة، وأن إعادته للمؤسسات الوطنية المعنية (عند استقرار الأوضاع) هو عمل أخلاقي وحضاري بامتياز.
إن المخطوط العربي في رحلته نحو التجديد لا يمكن أن يكتمل إلا بضمان سلامة كافة أطرافه، والمخطوط السوداني اليوم هو “الجرح النازف” في جسد التراث العربي. إن استرداد ما فُقد، وحماية ما بقي، هو المعيار الحقيقي لنجاح أي جهد ثقافي عربي مشترك. فالتراث الذي لا نملك القدرة على استعادته، هو تاريخ نحكم عليه باليتم.
Ghariba2013@gmail.com


