خلال الأسابيع الماضية، تصدّر اسم الطبيب المصري ضياء الدين العوضي، استشاري التخدير والعناية المركزة، منصات التواصل الاجتماعي والإعلام العربي، باعتباره طبيبًا صاحب نظام غذائي أثار جدلًا واسعًا حمل اسم “الطيبات”، وهو نظام يقوم على فلسفة تصنيف الأطعمة إلى ما يعتبره “غذاءً طيبًا” يساعد الجسد على التعافي واستدامة الصحة، وأخرى يصفها بالخبيثة الضارة المسببة للمرض، والتي يجب تجنبها.
وبين مؤيدٍ رأى فيه تجربةً ناجحة ، ومعارضٍ عدّه خروجًا على الثوابت العلمية، تصاعد الاحتقان حتى انتهى بقرارٍ نقابي أوقف الطبيب عن العمل، ثم بوفاته المفاجئة إثر جلطة قلبية، بحسب ما أُعلن، وهو لم يتجاوز السابعة والأربعين. عندها تجاوزت الحكاية حدود النظام الغذائي إلى أسئلةٍ أخرى ، حتى بدأ وكأن النظام الذي صنع شهرة صاحبه قد قتله ثم عاد ليضعه في قائمة مثيري الجدل.
ابتداءً لسنا هنا بصدد تقييم نظام “الطيبات” الغذائي، ولا إصدار أحكام علمية حول مدى سلامته أو جدواه، فذلك شأن يخص أهل الاختصاص من الأطباء والباحثين والعلماء، وهم الأقدر على إخضاع مثل هذه الأنظمة لميزان العلم والتجربة. كما أننا لسنا في موقع الاصطفاف معه أو ضده، لأن القضية التي تستحق التوقف عندها هنا ليست تفاصيل النظام، بقدر ما تتصل بما أثارته قصته، وما كشفه ذلك الجدل من أسئلة كبيرة تتجاوز التغذية إلى المجتمع والدولة ومعنى حماية المستهلك.
فحين يتحول طبيب إلى ظاهرة جماهيرية، ويتحول نظام غذائي إلى قضية رأي عام، ثم تأتي وفاة صاحبه في ذروة حضوره لتفتح أبوابًا واسعة من الأسئلة، فإن القضية تتجاوز حدود الطب والتغذية، لتلامس سؤالًا أكثر عمقًا يتعلق بعلاقة المجتمع بالمعلومة، وبالثقة في المؤسسات، وبالفراغ الذي يتشكل حين تتراجع المرجعيات العلمية والرقابية عن أداء دورها الطبيعي في الأمن الغذائي المرتبط بصحة الناس وحياتهم.
القيمة الحقيقية لهذه الضجة، في أنها جاءت أشبه بجرس إنذار أعاد توجيه الانتباه إلى السؤال الاهم : من يحمي غذاء المواطن؟ ومن يضمن أن ما يصل إلى موائد الناس ليس مجرد سلعة فاسدة تتحكم فيها حسابات الربح السريع، أو اجتهاد الأفراد، أو أسواق فقدت الأخلاق والضمير؟
في التحليل السياسي التنموي، لا تبدأ الدولة من القصر، ولا تُقاس فقط بحجم الطرق والجسور والمشروعات، وإنما تُقاس أيضًا بقدرتها على حماية الإنسان في التفاصيل الصغيرة التي تصنع حياته اليومية، في الماء الذي يشربه، والدواء الذي يتناوله، والغذاء الذي يدخل بيته، والمعلومة التي يبني عليها قراراته الصحية. وحين تضعف هذه الحلقة، تبدأ الثقة تتراجع، ويبدأ المواطن في البحث عن خلاص فردي خارج المؤسسات، سواء في وصفة متداولة، أو نصيحة مجهولة، أو نظام غذائي يعد بالنجاة.
لكن إذا كانت هذه الأسئلة تبدو ملحة في أي مجتمع، فإنها تصبح أكثر إلحاحًا في السودان. ففي بلد يعيش حربًا وجودية أنهكت الدولة، وأربكت سلاسل الإمداد، وفرضت على الحكومة أولويات البقاء قبل البناء، يجب أن نسأل: هل ما تزال لدينا منظومة رقابية قادرة على حماية غذاء الناس؟
في هذا السياق، يحق لنا أن نسأل: أين الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس؟ وماذا عن جمعية حماية المستهلك؟ هل ما تزال موجودة بذات الفاعلية؟ من يدير هذا الملف اليوم؟ وما حدود صلاحياته؟ وهل المواطن السوداني يعرف أصلًا إلى أي جهة يلجأ إذا شكّ في منتج غذائي؟
الأهم من ذلك: هل نراقب المنتج منذ البذرة الأولى في الأرض، مرورًا بالتربة والمياه والأسمدة والمبيدات، ثم الحصاد، والتخزين، والنقل، والتصنيع، والتعبئة، وحتى يصل إلى الأسواق؟ أم أن الرقابة تبدأ متأخرة، بعد أن يكون المنتج قد قطع نصف الطريق إلى السوق ثم جسد المستهلك؟
هذه أسئلة مهمة، يجب أن تُطرح كل صباح في أسواق الخرطوم وأم درمان وبورتسودان وكل السودان. ماذا عن الطماطم التي يتداول الناس أحاديث حول رش بعضها بمواد مجهولة لتسريع الإنضاج ؟ وماذا عن تسريع إنضاج الموز بوسائل لا يعرفها المستهلك؟ وماذا عن البرتقال الذي يكتسب لونًا أكثر جاذبية قبل أوانه الطبيعي؟ وماذا عن الأعلاف، ووسائل التبريد، والمضادات الحيوية لحفظ الألبان، والهرمونات المستخدمة في إنتاج الفراخ ؟ وماذا عن البيض، والخضروات، والزيوت؟
هل تصل إلينا كل هذه المنتجات كما نظن، نقية وآمنة وخاضعة للرقابة والفحص والاختبار؟ أم أننا قد نكون ندفع من أموالنا لشراء المرض؟
لسنا هنا لإثارة الذعر، ولا لإطلاق الأحكام، لكننا أيضًا لا نملك رفاهية الصمت. لأن الغذاء ليس مجرد سلعة اقتصادية، بل أهم ملفات الحكومة، المرتبطة بالأمن القومي كما ترتبط بالصحة العامة. والرقابة على الغذاء تعبير مباشر عن حضور الدولة في حياة مواطنيها، وعن التزامها السياسي والأخلاقي قبل القانوني بحماية الإنسان من الغش والتلاعب بالغذاء، ومن العبث، ومن الأسواق الجشعة حين يصبح الربح أعلى من قيمة الحياة.
ولعل القيمة الأكبر في حكاية هذا النظام الغذائي الذي قتل صاحبه، بحسب #وجه_الحقيقة، أنها لم توقظ جدلًا متواترا، بقدر ما أيقظت سؤالًا مؤجلًا: هل ما يدخل أجسادنا يصنع الصحة فعلًا… أم يؤسس بصمت لأمراضٍ تثقل كاهلنا ومستقبلنا؟ وإذا كان الطعام قضية حياة فمن يحفظ هذه الحياة.
دمتم بخير وعافية.
الخميس 7 مايو 2026 م Shglawi55@gmail.com
#سلامة_الغذاء
#حماية_المستهلك
#الغذاء_والصحة
#ضياء_الدين_العوضي
#نظام_الطيبات
#حكاية_نظام_قتل_صاحبه
#وفاة_العوضي
#جدل_الطيبات
#من_يحمي_غذاءنا
#هل_نأكل_الصحة_أم_المرض
#إبراهيم_شقلاوي


