مدني: عبق نبوز
تقرير محاسن عثمان نصر
في كل يوم تفقد فيه ولاية الجزيرة أماً في أثناء الوضع، أو مولوداً لم يُكمل ساعاته الأولى، يتجدد السؤال المؤلم: أين كانت القابلة المدربة؟ هذا السؤال كان الحاضر الأكبر في احتفالية اليوم العالمي للقبالة التي أقامتها وزارة الصحة في الخامس من مايو، في مشهد جمع بين الاعتراف بالإنجاز والإقرار بثقل التحديات.
لم يكن الحفل مجرد خطب ومنصة، بل كان اعترافاً متأخراً ربما، لكنه صادق، بأن القابلة هي الخط الأول والأخير بين الأم والخطر.
**واقع لا تخطئه الأرقام**
لا تزال وفيات الأمهات في السودان من بين الأعلى في المنطقة، إذ تُشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو **70% من وفيات الأمهات** يمكن تفاديها لو توفّرت قابلة مدرّبة في لحظة الوضع. وفي ولاية الجزيرة، حيث تمتد مساحات شاسعة بين القرى والمرافق الصحية، تتضاعف المخاطر على المرأة الحامل التي كثيراً ما تلد بلا أي رعاية مؤهلة.
ولا يختلف المشهد كثيراً حين يتعلق الأمر بالمواليد؛ إذ تُعدّ الساعات الأولى بعد الولادة الأكثر حرجاً، وغياب القابلة المدربة في تلك اللحظات يعني أن كثيراً من حالات الاختناق عند الولادة والنزيف وانخفاض حرارة الجسم تمضي دون تدخل ينقذ حياة.
*”جزء أساسي من منظومتنا”*
أمام هذا الواقع، وقف الدكتور عمر يوسف التاي ممثلاً للمدير العام لوزارة الصحة، ليؤكد أن القابلات “يمثلن جزءاً أساسياً من المنظومة الصحية”، وزاد أن
القابلة تؤدي دورًا محوريًا في تعزيز صحة المجتمع، ووصفها بسفيرة الوعي الصحي في القرى، كما تسهم في خفض المخاطر الصحية، وتعزيز التثقيف الوقائي، وبناء الثقة بين الأسر والخدمات الطبية، لتصبح جسرًا للحياة الآمنة والتنمية الصحية المستدامة في المجتمعات الريفية.
وأقر دكتور عمر التأي بأن التدريب المستمر بات ضرورة ، في ظل ما تعانيه الولاية من نقص حاد في الكوادر الصحية المتخصصة في المناطق الريفية.
وأشار إلى أن الوزارة ماضية نحو تحقيق شعار هذا العام: *مليون قابلة إضافية”، في إدراك واضح بأن الفجوة بين الحاجة والواقع لا تزال واسعة.
**حين تكون القابلة هي الأمل الوحيد**
الدكتور ياسر الكاشف، مدير الرعاية الصحية الأساسية، يعرف جيداً ما معنى أن تكون المرأة وحيدة في لحظة الوضع بقرية بعيدة. تحدّث عن الدور المحوري للقابلة في خفض وفيات الأمهات والمواليد، في ولاية تعاني شُح الأطباء المتخصصين خارج المدن الرئيسية، حيث القابلة المدربة في أحيان كثيرة هي الفارق بين الحياة والموت.
وأضافت الأستاذة أميرة بخيت، مديرة إدارة الطوارئ ومكافحة الأوبئة، بُعداً آخر لا يقل خطورة: فالقابلات هن خط الرصد الأول لاكتشاف حالات الكبد الفيروسي “E”، الذي يُهدد حياة الحوامل بشكل خاص وقد يؤدي إلى وفاة الأم والجنين معاً إن لم يُكتشف مبكراً.
**ميادة عالم: “نحن هنا رغم كل شيء”**
لم تُخفِ القابلة ميادة عالم، ممثلة جمعية القابلات السودانية، ثقل المشهد؛ فالقابلات يعملن في ظروف بالغة الصعوبة، من شُح الإمدادات الطبية وانعدام وسائل النقل في الطوارئ، إلى ضغط العمل بمفردهن في محطات صحية تفتقر إلى أبسط المقومات. غير أنها أكدت بإصرار: “حب المهنة والإصرار سيتغلبان على كل عقبة، خدمةً لحياة الإنسان.
**استثمار في الحياة أو خسارة لا تُعوَّض**
أنهت الدكتورة فاطمة عبدالله، مديرة إدارة الصحة الإنجابية، الاحتفالية بما يشبه التحذير الهادئ: “الاستثمار في برنامج القبالة هو الركيزة الأساسية لتحقيق صحة الأم وضمان ولادة آمنة.” وما بين السطور رسالة واضحة: التقصير في هذا الاستثمار يُترجَم يومياً إلى أرواح تُهدر في صمت.
وفي ختام الاحتفال، كُرِّمت قابلات ومنظمات داعمة، لكن التكريم الحقيقي سيكون حين لا تموت أم جزيرية بسبب غياب القابلة التي كان يمكن تدريبها وتوفيرها.
**في النهاية.. الأرقام بشر**
في النهاية، القابلة ليست مجرد مهنة تُدرَّس في الكليات وتُمارَس في المستشفيات، بل هي امرأة تحمل على كتفيها ثقل لحظة لا تقبل الخطأ. وما دامت هناك أم تنتظر في قرية نائية بالجزيرة، وطفل يُطل على الحياة في ظروف هشة، فإن كل شعار يُرفع ولا يتحول إلى قابلة مدربة على أرض الواقع ليس أكثر من حبر على ورق.
اليوم العالمي للقبالة يمر كل عام، والاحتفالات تُقام والكلمات تُلقى. لكن السؤال الذي لن تُجيب عنه المنصات هو: كم أماً ستنجو في الجزيرة العام القادم بسبب قابلة تدربت اليوم؟ الإجابة ستكتبها ليس الخطب، بل الأرقام القادمة — إن أحصيناها بصدق.


