41.1 C
Khartoum
السبت, يوليو 4, 2026

بعد الانتصار… هل تنتصر الدولة على أزماتها؟ كتبت: محاسن عثمان نصر

إقرأ ايضا

ما تحقق على الأرض من انتصارات عسكرية يمثل محطة فارقة في تاريخ السودان، ويستحق أن يُنظر إليه باعتباره إنجازًا وطنيًا أعاد أجزاءً واسعة من البلاد إلى سيادة الدولة، وفتح الباب أمام عودة المواطنين إلى مدنهم بعد نزوح مرير ومعاناة. ويبقى الأمل معقودًا على استكمال التحرير في بقية المناطق، حتى تُطوى صفحة الحرب ويستعيد السودان وحدته وسيادته كاملة.

غير أن الانتصارات العسكرية، مهما بلغت أهميتها، لا تكتمل إلا بانتصار الدولة في معركة أخرى لا تقل تعقيدًا؛ معركة إعادة بناء المؤسسات، واستعادة الخدمات، وترميم الثقة بين المواطن وأجهزة الحكم. فالدول لا تُقاس فقط بما تحققه في ساحات القتال، وإنما بما تنجزه في حياة الناس بعد أن يسكت صوت البنادق.

بدأ المواطنون العودة إلى الخرطوم وود مدني ومدن أخرى، لكن كثيرين عادوا إلى منازل مدمرة، وخدمات متعثرة، وأسواق أنهكتها الأزمة الاقتصادية. وهنا يبرز السؤال الذي ينبغي أن يشغل مؤسسات الدولة أكثر من أي خطاب احتفالي: هل انتقلت أجهزة الحكم بالسرعة المطلوبة من إدارة الحرب إلى إدارة السلام؟

إن نجاح المرحلة المقبلة مرهون بإدارة كفؤة لملفات الإعمار والخدمات والاقتصاد. فالتأخير في استعادة الكهرباء والمياه والتعليم والصحة والتمويل الزراعي لا يمثل مجرد قصور إداري، بل يمس ثقة المواطنين في قدرة الدولة على تحويل النصر العسكري إلى استقرار دائم.

وفي هذا السياق، تبدو أزمة التعليم بولاية الجزيرة مثالًا واضحًا على الفجوة بين تحديات الواقع وسرعة الاستجابة. فاستمرار إضراب المعلمين لا يهدد عامًا دراسيًا فحسب، بل يضع مستقبل آلاف الطلاب أمام حالة من الضبابية. ومن واجب الدولة أن تنصف المعلم، وتحمي حق الطالب، وتمنع أن تتحول الأزمات المطلبية إلى خسائر وطنية يصعب تعويضها.

كما أن الضغوط المعيشية أصبحت الاختبار الحقيقي لأي حديث عن التعافي. فالمواطن لا ينتظر بيانات مطمئنة بقدر ما ينتظر انخفاضًا في كلفة الحياة، واستقرارًا في الخدمات، وسياسات اقتصادية تخفف أعباءه. فالمعيار الذي يحكم به الناس على أداء الحكومات هو ما ينعكس على تفاصيل حياتهم اليومية، لا ما يُقال في المنابر الرسمية.

ولا يتعارض هذا الطرح مع دعم القوات المسلحة والوقوف خلفها، بل يعززه. فصون الانتصارات يقتضي أن تتحمل المؤسسات المدنية مسؤولياتها بالكفاءة نفسها التي أُديرت بها المعركة العسكرية. فالنقد المسؤول ليس خصومة مع الدولة، وإنما أحد أدوات إصلاحها، والمساءلة ليست انتقاصًا من الإنجاز، بل ضمانة لاستدامته.

ومن الإنصاف، في المقابل، الإشارة إلى المبادرات التي تعكس تطورًا في الأداء المؤسسي. فقد قدمت وزارة التخطيط العمراني بولاية الجزيرة نموذجًا إيجابيًا عندما بادرت إلى إخطار المواطنين مسبقًا ببرمجة قطوعات الكهرباء، في خطوة تؤكد أن احترام المواطن يبدأ بإحاطته بالمعلومة. كما تجسد حملات إصحاح البيئة التي تنفذها الفرقة الأولى مشاة ومبادرات جهاز الأمن والمخابرات الوطني مفهوم الشراكة في مرحلة التعافي، لأن استعادة المدن لا تكتمل إلا باستعادة بيئتها وخدماتها.

لقد أنجزت القوات المسلحة والقوات المساندة لها مهمة استعادة الأرض، وتبقى أمام مؤسسات الدولة استعادة ثقة المواطن. فالثقة لا تُمنح بالخطب، وإنما تُكتسب بقرارات شجاعة، وإدارة رشيدة، ومحاسبة للمقصر والحد من الفساد، وتسريع وتيرة الخدمات. وعندما يشعر المواطن بأن الدولة حاضرة في حياته كما حضرت في معركة الدفاع عن الوطن، عندها فقط يكتمل معنى الانتصار، بوصفه مشروعًا وطنيًا يعيد بناء الدولة، ويصون كرامة الإنسان، ويؤسس لسلام يستحقه السودانيون.

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة