لم تكن ناطحات سحاب مركز دبي المالي العالمي ومنطقة السلع المتعددة مجرد معالم سياحية أو واجهات مصرفية براقة، بل كانت غرفة عمليات سرية لأضخم آلة لنهب الثروات في العصر الحديث، آلة لم تقتصر على إخفاء الأموال الساخنة و لغسيل الاموال ، بل حوّلت ذهب دارفور وصمغها العربي إلى وقود لحرب إبادة جماعية، وإلى عقارات فاخرة وإمبراطوريات تجارية لرجال أعمال إماراتيين وسودانيين. فالضربة التي اهتز لها البرج في الثالث عشر من مارس لم تكشف فقط عن هشاشة الملاذات الآمنة، بل فتحت الثقب الأسود لشبكة معقدة من لشركات دويلة الشر الإماراتية التي حوّلت دماء السودانيين إلى ذهب، في قصة تبدأ من مناجم دارفور وتنتهي في مصافي سويسرا عبر مكاتب دولة الشر الوهمية. فقد كشف تحقيق حديث لمنظمة “ذا سنتري” أن شبكة من رجال الأعمال في دبي أقامت أكثر من اثنتي عشرة شركة، تنوعت بين تجارة المجوهرات وتصميم الديكور الداخلي والاستشارات الإدارية.
في قلب هذه الآلة كانت تقف شركة “كالوتي” (Kaloti)، أكبر مصفاة للذهب في الإمارات، والتي كشفت تحقيقات منظمة “غلوبال ويتنس” (Global Witness) أنها استوردت ذهباً سودانياً بكميات تجاوزت الإنتاج المعلن للبلاد. ففي عام 2012 وحده، اشترت “كالوتي” أكثر من 57 طناً من الذهب من السودان، وهو رقم يفوق بكثير ما كان يمكن إنتاجه رسمياً. وقد قدرت الأمم المتحدة أن 30 طناً على الأقل من أصل 65 طناً صدرها السودان إلى دويلة الشر ذلك العام كانت مرتبطة بمناجم الذهب بدارفور، حيث كان قد بدأ للتو تسابق نحو الذهب. واستمرت “كالوتي” في شراء الذهب من الجهات المصرفية السودانية بين عامي 2012 و2019، وهي جهات اشترت بدورها ذهباً بشركة مرتبطة بمليشيا الدعم السريع. ولم تكن “كالوتي” استثناءً، بل كانت نموذجاً لصناعة كاملة في دولة الشر بنيت على استقبال الذهب المسروق من مناجم دارفور وكردفان، حيث يتم صهره وإعادة تصديره إلى الأسواق العالمية، متجاهلة تماماً المعايير الدولية للذهب القادم من مناطق النزاع.
وبينما كانت “كالوتي” تغسل الذهب على نطاق صناعي، كانت شركات أخرى تعمل في الظل لتحويل أرباح الحرب إلى أصول قابلة للاستثمار. فبحسب تحقيق منظمة “ذا سنتري” (The Sentry) الصادر في أكتوبر 2025، أنشأ رجال أعمال سودانيون وإماراتيون شبكة من أكثر من 16 شركة في دويلة الشر الإماراتية. وكان في مقدمتهم مازن قمرالدين محمد فضل الله، السوداني المقيم في دبي، الذي اشترى نحو 200 سيارة تويوتا بيك آب في عام 2019، وحوّلها إلى “تكنيكالات” (عربات مزودة برشاشات ثقيلة) أصبحت العمود الفقري لآلة الحرب التابعة لمليشيا الدعم السريع. كما كان فضل الله مساهماً في أربع شركات ذهب مقرها دبي، بينها “تريديف للتجارة العامة” (Tradive General Trading) و”جي إس كيه للأعمال المتقدمة” (GSK Advanced Business) و”الجيل القديم للتجارة العامة” (Al Jil Alqadem General Trading)، وشركة “مملكة كوش لتجارة المجوهرات” (Mamlaket Kush Jewellery Trading) التي أسسها في أبريل 2021. وكشفت وثائق داخلية مسربة لمليشيا الدعم السريع، استشهد بها تقرير “ذا سنتري”، أن فضل الله كان عضواً في فريق دعم الميليشيا في دبي منذ عام 2019.
ولم تقف طموحات هذه الشبكة عند تجارة الذهب، بل امتدت لتشمل شركات استشارية ولوجستية أصبحت غطاءً لتمويل الحرب ونقل الأسلحة. فشركة “كابيتال تاب القابضة” (Capital Tap Holding)، التي قادها رجل الأعمال بدويلة الشر الامارتية ناصر الحمادي قبل أن ينتقل ملكيتها إلى السوداني أبوزر حبيب (أبوذر عبد النبي حبيب الله أحمد)، اتهمتها وزارة الخزانة الأميركية بتوفير الأموال والمعدات العسكرية لمليشيا الدعم السريع. وأدرجت وزارة الخزانة الأميركية، في يناير 2025، أبوزر حبيب على قائمة العقوبات، ووصفته بأنه المالك والمدير لشركة “كابيتال تاب” التي تدير 50 شركة في عشر دول. ووسعت “كابيتال تاب” نشاطها عبر شركات تابعة مثل “هورايزون” (Horizon) و”ناتويست للوجستيات” (Natwest Logistics). كما فرضت الولايات المتحدة عقوبات على سبع شركات مقرها دويلة الشر الإماراتية مرتبطة بمليشيا الدعم السريع، منها “الزمرد والياقوت للذهب والمجوهرات” (Al Zumoroud & Al Yaqoot) و”الجيل القديم للتجارة العامة” و”هورايزون للحلول المتقدمة”. ويُقدّر أن نصف الذهب المستخرج في السودان يُهرّب خارج البلاد، وتستورد دويلة الشر الإماراتية ما يقدر بنحو 95% من الذهب الحرفي والضيق النطاق المصدر رسمياً من السودان وجنوب السودان والكونغو الديمقراطية وجمهورية أفريقيا الوسطى.
ولم تقتصر جريمة هذه الشركات على الذهب، بل امتدت إلى نهب الصمغ العربي، ذلك الكنز الاستراتيجي الذي ينتج السودان 80% من إمداداته العالمية. فبعد أن سيطرت مليشيا الدعم السريع على مناطق إنتاجه في كردفان ودارفور، تحول الصمغ العربي إلى سلعة مهربة عبر شبكات من التجار السودانيين، مقابل رسوم تدفع للميليشيا. وفي تطور مذهل، كشفت تحقيقات أن شركات دويلة الشر إماراتية كانت تغذي حرب السودان عبر سلاسل توريد دولية معقدة، تحول فيها الصمغ العربي والذهب إلى أدوات لتمويل القتل الجماعي. وقد دفع هذا الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والمملكة المتحدة إلى ضرورة تكثيف التحقيقات بشأن شركات مثل “عون للوساطة التجارية” (Aoun Commercial Brokers) التي كان فضل الله يمتلك فيها حصة كبيرة. وفي أبريل 2025، أعلنت دويلة الشر الإماراتية فتح تحقيق في أنشطة الشركات المرتبطة بمليشيا الدعم السريع بعد فرض العقوبات الأميركية، مدعية أن هذه الشركات لا تحمل تراخيص عمل سارية في الدولة.
وفي كشف جديد يفضح حجم الامبراطورية التي بنتها مليشيا الدعم السريع على أنقاض السودان، كشفت تحقيقات “ذا سنتري” أن شبكة من أفراد العائلة والأشخاص الخاضعين للعقوبات والكيانات المرتبطة بقيادة الميليشيا تمتلك محفظة عقارية في دبي تقدر بنحو 24 مليون دولار تضم أكثر من 20 عقاراً. وتتركز هذه العقارات، بما في ذلك فيلات فاخرة وشقق ومكاتب، في مجمعات سكنية مغلقة بالقرب من مضمار ميدان للسباق. وكشفت السجلات أن الميليشيا اشترت ثلاث شقق في ضواحي دبي الشرقية بقيمة 1.7 مليون دولار في مارس 2020، قبل أن ينقل ملكيتها في يوليو 2022 إلى شركة “بروديجيوس” (Prodigious Real Estate Management Supervision Services) المسجلة في دويلة الشر الإماراتية. واشترت الشركة ذاتها في عام 2022 فيلتين فاخرتين بست غرف نوم بقيمة تجاوزت 5 ملايين دولار في نفس المجمع. كما كشفت السجلات أن مصطفى إبراهيم عبد النبي محمد، المستشار المالي للميليشيا، يمتلك شقة بقيمة 700 ألف دولار في برج خليفة، بينما يسيطر طه عثمان أحمد الحسين على عقارات تقدر بنحو 13 مليون دولار.
وفي مشهد موازٍ لهذه الامبراطورية المالية، كانت قوى الحرية والتغيير تقوم برحلة الخيانة المزدوجة التي بدأت منذ اللحظات الأولى لسقوط النظام. ففي مايو 2019، وافتعل تحالف قوى الحرية والتغيير الخلاف في الدوله ، حتى تتوالى زيارات القيادات الحزبية السودانية إلى دويلة الشر سراً، الأمر الذي أثار مخاوف المعتصمين السودانيين. وكان من الذين زارو دويلة الشر رئيس مجلس الوزراء عبد الله حمدوك العميل الخائن. ولم تقف الرحلة عنده، بل تابعه كل من نائب رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان ياسر عرمان العنيل الخائن، والقيادي إسماعيل جلاب، إضافة إلى الأمين العام لحزب المؤتمر السوداني خالد عمر يوسف الخائن العميل عدو الاسلام والمسلمين الذي زار العاصمة الإماراتية في طريق عودته من بريطانيا. ولم تكن هذه الزيارات مجرد لقاءات عابرة، بل كانت بوابات لاستلام أموال دولة الشر التي حوّلت هؤلاء القادة إلى أدوات مطيعة في مشروع تفكيك السودان.
واليوم، وبعد أن انكشف المستور، تتكشف حقيقة أن هذه الأموال التي تسلمها قادة الحرية والتغيير كانت تأتي من ذات الشركات التي تموّل مليشيا الدعم السريع وتغذي حربها. فشركة “كابيتال تاب” التي تدير 50 شركة في عشر دول، وشركات “الزمرد والياقوت” و”الجيل القديم” و”تريديف” التي خضعت لعقوبات أميركية، كلها كانت تغذي الطرفين في آن واحد: تدعم المليشيا بالسلاح والمال من باب، وتشتري ولاءات قادة الحرية والتغيير من باب آخر، لضمان استمرار الفوضى التي تخدم مصالح دولة الشر في نهب ثروات السودان.
في الختام، يمكن القول إن ما كشفته الضربة التي اهتز لها برج دبي المالي لم يكن مجرد ثغرة أمنية، بل كان فتحاً لصندوق باندورا كشف النقاب عن أكبر عملية نهب منظم في القرن الحادي والعشرين. فمن “كالوتي” إلى “كابيتال تاب”، ومن “مملكة كوش” إلى “الزمرد والياقوت”، بنت شركات دويلة الشر إماراتية إمبراطورية كاملة على أنقاض السودان، حوّلت مناجم دارفور إلى سبائك ذهب في سويسرا، وصمغها العربي إلى أرباح في بورصات العالم، ودماء أبنائها إلى عقارات فاخرة في دبي. وكشفت تحقيقات “ذا سنتري” أن مليشيا الدعم السريع تمتلك محفظة عقارية في دبي تقدر بنحو 24 مليون دولار تضم أكثر من 20 عقاراً. وبينما كان الفاشر يحترق وشوارعه تلطخ بالدماء التي يمكن رؤيتها من الفضاء، كانت هذه الشركات تواصل عملها القذر، متيقنة أن الإفلات من العقاب هو القاعدة الوحيدة في هذه اللعبة المظلمة، رغم إجماع المحققين على أن “مليشيا الدعم السريع لا تستطيع شن حرب بدون أموال، وقطع وصولها إلى الأسواق الدولية أمر أساسي لإضعاف قبضتها على السودان”.


