34.6 C
Khartoum
الثلاثاء, يوليو 21, 2026

بين زمزم وود النورة… حين تنتصر الإنسانية على الحرب .. كتبت محاسن عثمان نصر

إقرأ ايضا

الحروب لا تخلّف وراءها المباني المهدمة فحسب، بل تترك ندوبًا عميقة في الوجدان، وتختبر قدرة المجتمعات على الصمود واستعادة إنسانيتها. وبينما تُغذي الحروب مشاعر الخوف والانقسام، تبقى هناك مواقف قادرة على بعث الأمل، لأنها تؤكد أن الشعوب تستطيع أن تتجاوز محنتها عندما تجعل من التضامن طريقًا، ومن الإنسانية جسرًا نحو المستقبل.

ومن بين تلك المواقف، يبرز اللقاء الذي جمع أهالي قرية ود النورة بولاية الجزيرة بأبناء معسكر زمزم القادمين من دارفور، في مشهد تجاوز حدود الزيارة التضامنية ليصبح رسالة وطنية بامتياز. فقد التقت إرادتان أنهكتهما الحرب؛ ود النورة التي فقدت أكثر من مائتي شهيد، وزمزم الذي عاش ويلات الحصار والجوع والعطش والنزوح، وقدم آلاف الضحايا. ورغم قسوة التجربة، جاء أبناء زمزم يحملون الأمل، واستقبلهم أهل ود النورة بقلوب مفتوحة، في صورة أكدت أن الألم لا يفرق بين السودانيين، وأن الوطن أكبر من جراحه.

واكتسبت الزيارة بُعدًا إنسانيًا إضافيًا حين استهل الوفد الرسمي، برئاسة الدكتور معتصم أحمد صالح وزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية، زيارته إلى ود النورة بالوقوف عند مقبرة شهداء القرية، وقد حمل هذا المشهد دلالة عميقة، مفادها أن الوفاء للشهداء والوقوف إلى جانب ذويهم يمثلان جزءًا أصيلًا من مسار التعافي الوطني، وأن احترام تضحياتهم يعزز قيم التماسك والوحدة.

لقد حاولت الحرب أن ترسم حدودًا بين أبناء الوطن، وأن تغذي الشكوك والانقسامات، غير أن ما شهدته ود النورة أكد أن السودان الحقيقي ما زال حاضرًا في وجدان أهله. فعندما يلتقي أبناء الجزيرة ودارفور تحت راية التضامن، فإنهم يرسخون حقيقة أن ما يجمع السودانيين من تاريخ ومصير وهوية أقوى من كل أسباب الفرقة، وأن السلام يبدأ بالاعتراف بآلام الآخرين، والوقوف معهم، وصون كرامتهم.

غير أن التعافي من آثار الحرب لا يتحقق بالمشاعر وحدها، بل يحتاج إلى مبادرات عملية تعيد الحياة إلى المجتمعات، وتؤسس لمرحلة يكون فيها الإنسان محور التنمية. وفي هذا السياق، برزت ولاية الجزيرة نموذجًا لحراك مجتمعي متنامٍ، من خلال حملات النظافة وإزالة النفايات من الأحياء ومجاري تصريف المياه ونحن في فصل الخريف، في تأكيد على أن حماية البيئة والصحة العامة مسؤولية مشتركة.

وفي القطاع الصحي، قدم الصندوق القومي للتأمين الصحي بفرع ولاية الجزيرة نموذجًا عمليًا لهذا التعافي بتنفيذ أيام علاجية مجانية في محليتي جنوب الجزيرة والقرشي، لتصل الخدمات الطبية إلى المواطنين في مناطقهم، وتخفف من معاناتهم، وتؤكد أن الرعاية الصحية إحدى أهم ركائز الاستقرار المجتمعي.

كما واصلت مؤسسات الحماية الاجتماعية، وفي مقدمتها ديوان الزكاة، ومفوضية الفقر تنفيذ برامج للدعم والتمكين الاقتصادي، في توجه يهدف إلى تحويل المساعدات إلى فرص إنتاج تحفظ الكرامة وتعزز الاعتماد على الذات، بما يسهم في بناء مجتمع أكثر قدرة على تجاوز آثار الحرب.

إن التعافي بعد الحرب مسؤولية وطنية مشتركة، تتكامل فيها جهود الدولة مع المجتمع والقطاع الخاص والإعلام، لترسيخ ثقافة المبادرة والعمل الطوعي، وتعزيز قيم التكافل والوحدة الوطنية.

لقد أثبتت ود النورة وزمزم أن قوة السودان تكمن في تماسك أبنائه، وأن التعافي الحقيقي يبدأ حين تنتصر الإنسانية على آثار الحرب. و ترميمٌ للثقة، وتعزيزٌ للتضامن، وترسيخٌ لقيم العدالة والسلام، ليظل الوطن جامعًا لأبنائه رغم كل الجراح.

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة