إهداء
إلى كل من غادر منصبا، أو انتهت خدمته، أو صدر قرار بإعفائه، فظن أن رحلته قد انتهت… هذا المقال لك.
«”قد يغادر الإنسان منصبه، لكن الله لا ينزع عنه علمه، ولا خبرته، ولا كرامته، إلا إذا تخلى هو عنها بنفسه.”»
قال تعالى:
﴿ وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ﴾
ليس كل باب يغلق يعني أن الطريق قد انتهى، وليس كل قرار إعفاء يعني أن قيمة الإنسان قد سقطت. فهناك فرق كبير بين أن يغادر الإنسان منصبا، وبين أن يغادره الأثر. وهناك فرق أعظم بين أن يفقد وظيفة، وبين أن يفقد رسالته في الحياة.
من أكثر الأخطاء النفسية التي يقع فيها الإنسان أن يربط هويته بالمنصب الذي يشغله. فإذا تغير المسمى الوظيفي، أو انتهت الخدمة، أو صدر قرار بالإعفاء، شعر وكأن جزءا من شخصيته قد انهار. ويصف علماء النفس هذه الحالة بأزمة الهوية المهنية، وهي من أصعب المراحل التي يمر بها الإنسان إذا لم يدرك أن المنصب كان مرحلة، بينما القيمة هي الأصل.
الحقيقة التي يجب أن نؤمن بها أن المنصب لا يصنع الإنسان، وإنما الإنسان هو الذي يمنح المنصب قيمته. فالكرسي لا يخلق قائدا، لكنه يكشف معدن من يجلس عليه. ولذلك حفظ التاريخ أسماء رجال ونساء لم يكونوا في أعلى المناصب، لكنه نسي أسماء كثيرين امتلكوا السلطة ولم يتركوا أثرا.
ولا ينبغي أن يتحول أي قرار إداري إلى حكم نهائي على الكفاءة أو الإخلاص. فالقرارات تصنعها ظروف، وتتأثر برؤى إدارية، وتتغير بتغير القيادات، وقد ترتبط بمتطلبات مرحلة معينة أكثر من ارتباطها بالأشخاص. أما الخبرة، والنزاهة، والانضباط، وحسن السيرة، فهي ثروة تبقى مع صاحبها، ولا يستطيع أحد أن يسلبها منه.
ومن هنا يجب أن نصحح مفهوما ترسخ في أذهان البعض، وهو أن التقاعد أو الإعفاء يعني نهاية العطاء. وهذا غير صحيح. فالإنسان قد يتقاعد من وظيفة، لكنه لا يتقاعد من رسالته، ولا من علمه، ولا من واجبه تجاه وطنه ومجتمعه. أما التقاعد الحقيقي، فهو أن يتقاعد الفكر، وأن يستسلم الإنسان لليأس، وأن يقتنع بأنه لم يعد قادرا على الإضافة.
وفي ميزان الإسلام، لم يجعل الله قيمة الإنسان في منصبه، وإنما في عمله وإخلاصه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم.” فميزان السماء لا يقيس الناس بما يحملون من ألقاب، وإنما بما يحملون من صدق وأمانة وإحسان.
ولذلك، قد يكون قرار الإعفاء الذي أحزنك اليوم هو بداية خير لم تكن تتوقعه. وربما أراد الله أن ينقلك من ضيق المنصب إلى سعة الرسالة، ومن مسؤولية الإدارة إلى مسؤولية التأثير، ومن قيادة مؤسسة إلى صناعة جيل كامل. وكم من أبواب أغلقت في وجه أصحابها، ثم فتح الله لهم أبوابا أوسع رزقا، وأعظم أثرا، وأكثر بركة.
إن الدول التي تفكر بعقل استراتيجي لا تنظر إلى أصحاب الخبرات على أنهم أشخاص انتهى دورهم، بل تجعل منهم بيوت خبرة، ومستشارين، ومدربين، لأن تراكم التجربة ثروة وطنية لا يجوز التفريط فيها. فبناء الخبرة يحتاج إلى سنوات طويلة، أما فقدانها فلا يحتاج إلا إلى قرار واحد.
ولهذا، إذا غادرت منصبك، فلا تقف طويلا أمام الباب الذي أغلق، بل انظر إلى الأبواب التي تنتظرك. اكتب، وعلم، ودرب، وانصح، وشارك في المبادرات، وانقل خبرتك إلى الشباب. فربما كانت أعظم إنجازاتك لم تأت وأنت في المنصب، وإنما جاءت بعده، حين أصبحت أكثر حرية، وأوسع رؤية، وأعمق تجربة.
ولا تحاكم نفسك بقرار غيرك. بل حاكمها بما قدمته من أمانة، وما تركته من أثر، وما زرعته من خير في حياة الناس. فإذا كنت قد أخلصت في عملك، وأديت واجبك، فاطمئن إلى وعد الله، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا.
وأخيرا، إذا أعفيت من منصب، فلا تظن أن الله أعفاك من رسالتك. وإذا غادرت الكرسي، فلا تغادر الميدان. وإذا انتهت الوظيفة، فلا تنته همتك. ابدأ من جديد، وثق أن الله إذا أغلق بابا بحكمته، فتح أبوابا برحمته.
فالمنصب يمنحه البشر، أما القيمة فيمنحها الله لمن أخلص في عمله، وأحسن في عطائه، وترك بعده أثرا طيبا.
المنصب يغادر… أما القيمة فتبقى.


