31.1 C
Khartoum
الخميس, يوليو 30, 2026

السودان… الوطن الذي لا تنقصه الثروة بل تنقصه لحظة اتفاق ✍️ د. الشاذلي عبداللطيف

إقرأ ايضا

يقول أهل السودان: “البيت العامر ما بوقع من قلة الطوب… بوقع يوم تختلف قلوب أهله.”

ولعلها الحكمة التي تختصر حكاية وطن بأكمله.

كلما ضاقت بنا الحياة، وكلما اشتدت الأزمات، يخرج السؤال من قلب كل سوداني قبل أن يخرج من لسانه:

كيف لبلد ينام على الذهب، ويصحو على النيل، وتمتد في جنباته ملايين الأفدنة، وتزخر مراعيه بما لا تملكه كثير من الدول، أن يظل يبحث عن رغيف، أو دواء، أو استقرار؟

هل المشكلة في السودان… أم فينا؟

هذا ليس سؤالا سياسيا، بل سؤال وجود.

فالأوطان لا تعيش بالثروات وحدها، وإنما تعيش بالرجال الذين يعرفون قيمة الوطن، ويقدمونه على مصالحهم، ويؤمنون أن الدولة ليست غنيمة، وإنما أمانة.

لقد خلق الله السودان كريما في أرضه.

وسع له الجغرافيا، وبارك له المياه، وأكرمه بالمعادن، وجعل إنسانه معروفا بالشهامة، والنخوة، والكرم، والصبر.

وكأن الله منح السودان كل أسباب النهضة، ثم ترك لأبنائه مهمة واحدة…

أن يحسنوا إدارة هذه النعمة.

ولذلك فإن الأزمة ليست دائما فيما تحت الأرض، وإنما فيما يدور فوقها.

وليست دائما في نقص الإمكانات، وإنما قد تكون في طريقة التفكير، وفي غياب المشروع الوطني الذي يجمع الناس على كلمة سواء.

إن أخطر ما يصيب الأوطان ليس الفقر، لأن الفقر يمكن هزيمته بالعمل.

وليست الحرب، لأن الحروب تنتهي.

وليست قلة الموارد، لأن الموارد يمكن اكتشافها.

أما أخطر ما يصيب الأوطان فهو أن يعتاد الناس على الأزمات، حتى تصبح جزءا من حياتهم، وأن يفقدوا إيمانهم بأن الغد يمكن أن يكون أفضل.

عندها تبدأ الهزيمة الحقيقية.

إن السودان لا يحتاج إلى من يذكره بأنه غني.

فكل طفل سوداني يعرف أن وطنه غني.

وكل مزارع يعرف ذلك.

وكل راع يعرف ذلك.

وكل جيولوجي يعرف ذلك.

ولكن السؤال الذي ينتظر الإجابة…

من يحول هذه النعم إلى قوة؟

ومن يحولها إلى مدارس ومستشفيات ومصانع وطرق وفرص عمل؟

هذه هي القضية.

أما الحديث عن وجود من يستغل الأزمات أو يسهم في تعميقها، فهو أمر لا يحسم بالشعارات، وإنما بما تثبته الوقائع والقانون. فالدولة القوية لا تبني أحكامها على الظنون، بل على الأدلة، وتحاسب كل من يثبت تجاوزه، وتحمي في الوقت نفسه حق الناس في الاختلاف والنقد المسؤول.

إن السودان اليوم لا يحتاج إلى تبادل الاتهامات بقدر ما يحتاج إلى استعادة الفكرة التي بنى بها الأجداد هذا الوطن.

فالسودان لم تقمه القبيلة وحدها.

ولم يبنه الحزب وحده.

ولم تحمه مؤسسة واحدة وحدها.

بل صنعه الجميع عندما كانت كلمة “السودان” أكبر من كل الأسماء.

ولهذا فإن النهضة القادمة لن تبدأ من باطن الأرض…

بل ستبدأ من داخل الإنسان.

ستبدأ يوم تصبح الوظيفة خدمة لا مكسبا.

ويصبح المال العام حرمة لا غنيمة.

ويصبح القانون سيدا على الجميع.

وتصبح الكفاءة هي الطريق إلى المسؤولية.

ويصبح الاختلاف وسيلة للبناء لا للهدم.

ويصبح الوطن هو الاسم الذي تتراجع أمامه كل الأسماء.

أعرف يقينا أن السودان سيقوم.

ليس لأننا نتمنى ذلك…

بل لأن هذا الوطن أكبر من محنه، وأعمق من جراحه، وأغنى من أن تهزمه أزمة إذا أحسن أبناؤه إدارة اختلافهم، ووضعوا مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.

فالسودان ليس مجرد مساحة على الخريطة…

إنه فكرة.

وحضارة.

وذاكرة.

وأمانة في أعناق أبنائه.

وإذا أردنا أن نسأل السؤال الصحيح، فلنقل:

ليس لماذا تأخر السودان…

بل لماذا لم نتفق بعد على الطريق الذي يليق بالسودان؟

فحين تتوحد الإرادة، ويعلو القانون، ويخلص العمل، ستكتشف الأجيال أن الأزمة لم تكن في الأرض التي باركها الله، وإنما في تأخر الإنسان عن الارتقاء إلى مستوى الوطن الذي يستحقه.

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة