في صباح مشمس ضربت حرارته جدران المدارس ، كان الماء الذي يمنح الحياة في نهر النيل الازرق يخبئ في تياراته الخفية خطراً لا يقل عن جفاف الصحراء، فلكل عام تحل الفيضانات الموسمية، ومعها ترتفع مناسيب المياه لتغري الأطفال بقربها، وتخلف وراءها قصصاً لا تُروى من الغرق والموت المفاجئ. هنا، في قلب محلية الكاملين، أدركت قوات الدفاع المدني أن التوعية وحدها هي الدرع الذي يحمي الأرواح قبل أن تلامس قدم أي طفل مياه النهر، ومن هذا المنطلق انطلقت حملتها الموسعة التي تجوب المؤسسات التعليمية، لتضع حجر الأساس في ثقافة وقائية لم تكن يوماً ترفاً، بل ضرورة ملحة تتطلب تضافر كل الجهود المحلية.
تمثلت أبرز محطات الحملة في زيارة ميدانية نوعية لمدرستي الكاملين الابتدائية واامتوسطة – جقود المتوسطة ومدرسة حسن ادريس الابتدائية، حيث تحولت أفنية المدارس إلى منصات توعوية نابضة بالحياة، تم تدشين الحملة الوقاية من الغرق بمحلية الكاملين تحت رعاية السيد مدير عام قوات الدفاع المدني الفريق شرطة/ حقوقي دكتور عثمان عطا تحت إشراف السيد اللواء شرطة/ محمد الامين النعيم مدير قوات الدفاع ولاية الجزيرة وتحت الاشراف مباشر السيد العميد شرطة/ جعفر مدير الشئون العامة قوات الدفاع المدني ولاية الجزيرة وتوعية ميدانية احترافيه قادها المقدم خالد عبدالله، مدير قوات الدفاع المدني محلية الكاملين، الذي قاد الفريق في جولة شاملة استهلها بعرض إحصاءات صادمة عن حوادث الغرق التي شهدتها المنطقة في الأعوام السابقة، مؤكداً أن أغلب الضحايا كانوا أطفالاً في سن الدراسة، لم يدركوا أن السباحة في المجاري المائية غير المخصصة قد تتحول إلى مأساة في غمضة عين. ولم تقتصر الزيارة على الترهيب، بل امتدت إلى تقديم إرشادات عملية لإنقاذ الغرقى، وكيفية استخدام أدوات الطوارئ البسيطة كالحبال والعوامات، مع تدريبات تمثيلية أشركوا فيها الطلاب أنفسهم، مما خلق حالة من التركيز والتفاعل لم تشهدها المدرستان من قبل.
لم تكن هذه الزيارة حدثاً عابراً، بل جاءت في سياق استراتيجي أوسع، إذ حرص فريق قوات الدفاع المدني على بناء شراكة حقيقية مع الكوادر التعليمية، مدركين أن المدرسة ليست مجرد فضاء لتلقي الدروس، بل نواة لتغيير سلوكيات مجتمعية كاملة. وقد عبر عن هذا التوجه الأستاذ مقداد كرار، الذي خاطب التلاميذ بحزم أبوي، موجهاً إياهم إلى ضرورة الالتزام الصارم بتوجيهات المقدم خالد، معتبراً أن السلامة المائية جزء لا يتجزأ من المنهج التربوي اليومي، بينما ألقى الأستاذ جميل الله مسمنا انتصارت الجيش، ممثل المقاومة الشعبية، كلمة وعد فيها بحماية التلاميذ من أي مخاطر، مشدداً على أن دور المجتمع لا يقل أهمية عن دور المؤسسات الرسمية في مراقبة تحركات الأطفال قرب ضفاف النهر. وحضر اللقاء أيضاً الأستاذ ياسر، مدير التعليم الابتدائي، إلى جانب مديري المرحلتين الابتدائية والمتوسطة، مما يعكس التزاماً مؤسسياً نادراً بالتوعية الوقائية، وكسراً للصمت الذي غالباً ما يكتنف مثل هذه القضايا في المجتمعات المحلية.
الأكثر إثارة في هذه الحملة هو تحولها من مجرد زيارات إرشادية إلى نموذج متكامل للتدخل المبكر، حيث لم يكتف الفريق بتقديم إرشادات توعوية، عن الحماية من الغرف وكيفية الاسعاف في غرق اي شخص وكيفية استخدام الطفايات في حالة الحريق و التصرف الامن في حال تسرب غاز الاسطوانات في المطبخ. وأشاد الحضور، وعلى رأسهم الأستاذ ياسر والأستاذ مقداد كرار والأستاذ جميل الله، بالاحترافية التي تعامل بها فريق الدفاع المدني، مؤكدين أن هذه الجهود تسد فجوة كبيرة كانت تترك الأبناء فريسة للجهل بالمخاطر المائية، خاصة في فصل الخريف حيث تزداد ساعات اللعب على الشواطئ غير الآمنة. لكن المفارقة التي لفتت الانتباه هي أن بعض الطلاب، وهم يستمعون إلى الإرشادات، بدأوا يتساءلون لماذا لم تُقدم لهم هذه المعلومات في بداية العام الدراسي، وهو سؤال حمل في طياته نقداً خفيفاً للتوقيت، لكنه في الوقت ذاته يعكس وعياً جديداً ينبئ بأن الرسالة قد وصلت إلى العقول الصغيرة بقوة.
في الختام، تبقى هذه الحملة أكثر من مجرد نشاط موسمي؛ إنها تجسيد لرؤية وقائية تعيد تعريف دور الدفاع المدني في المجتمع، متجاوزةً ردود الفعل إلى استباق المخاطر قبل وقوعها. فمن خلال دمج المؤسسات التعليمية والمجتمعية في نسيج واحد، يتحقق ما هو أبعد من النجاة من الغرق، إذ تُزرع بذور المسؤولية الجماعية التي تجعل من كل طالب سفيراً للسلامة في بيته وحيه، وهذا ما أكدته إدارة المدرستان والتنفيذيون بمحلية الكاملين في ختام الزيارة، بتعهدهم بتنظيم ورش دورية وحملات متابعة، لضمان أن تظل هذه المعرفة حية ومتجذرة، وكي لا يصبح النيل الذي يروي الأرض سبباً في بكاء الأمهات.


