تتطلب قراءة الواقع الراهن في ولاية غرب دارفور شجاعةً في توصيف الأزمات الهيكلية التي تعاني منها المنطقة؛ إذ ما زال المجتمع يرزح تحت وطأة الانقسامات الحزبية والإثنية، ويغرق في أتون دوامات الصراعات المتعاقبة.
ولعلّ من أبرز التحديات التاريخية والمستدامة التي واجهت الإدارة المحلية في الولاية هو نمط “الوصاية المركزية”، حيث تُدار مفاصل القرار السيادي، والعسكري، والقضائي، والشرطي، والإداري، والمصرفي بكوادر تأتي من خارج الولاية – منذ النشأة وحتى قبل اندلاع الحرب.
ولا يُعزى هذا الخلل الهيكلي إلى جهل أبناء الولاية أو افتقارها للكوادر والكفاءات المؤهلة في شتى المجالات، بل هو نتاج مباشر لثقافة التشرذم الداخلي والتشظي المجتمعي والسياسي.
وقد شكّل هذا الانقسام ثغرة استراتيجية كبرى استغلتها مليشيات الدعم السريع أبشع استغلال؛ إذ وظفت هذا الشتات لإضعاف البنية المؤسسية والمجتمعية للولاية، مما مهد الطريق لارتكاب أبشع الانتهاكات والجرائم ضد الإنسانية بحق المدنيين الأبرياء.
ورغم فداحة الكارثة الإنسانية وما حل بالولاية من دمار شامل وتهجير ومآسٍ تنفطار لها القلوب، فما زال التشرذم سيد الموقف لدى بعض النخب والدوائر، الأمر الذي يُنذر بإعادة إنتاج الأزمات ذاتها ما لم يحدث تحول جذري في وعي النخبة والمجتمع نحو توحيد الصفوف وبناء جبهة مدنية واعية.
*نقد ثقافة التخوين وتقييم التجارب*
إن علوم الإدارة السياسية وعلم الاجتماع الحديث تؤكد أن أي تجربة حكم عبر التاريخ الإنساني تخضع لنواميس الأداء البشري؛ فتحمل في طياتها نسباً مئوية من النجاح والإخفاق وفقاً للسياقات الموضوعية والمعقدة.
ومن ثم، فإن محاكمة التجارب السابقة بمنطق التشفي، أو إطلاق الاتهامات الجزافية واستهداف الرموز والقيادات التاريخية والمجتمعية عبر منصات التواصل الاجتماعي، لا تخدم سوى إضعاف الجبهة الداخلية، وصرف طاقات المجتمع عن قضاياه الأساسية الملحة، ظناً خطأً أن ذلك سيُقصي الآخرين من المشهد.
وعليه، فإن المصلحة العليا للولاية تستوجب الانتقال الفوري من ثقافة التناحر والصراع العبثي إلى فقه الشراكة المجتمعية والمسؤولية التضامنية، عبر المرتكزات الآتية:
*●تأسيس منبر وطني جامع:* تشكيل مجلس استشاري أو مظلة أهلية – شبابية مشتركة تضم الكفاءات والخبراء بمختلف توجهاتهم، لتكون بمثابة حاضنة فكرية تقدم استشارات استراتيجية لمؤسسات الحكم المحلي والمركزي.
*● ترشيد الخطاب العام:* إرساء قواعد موضوعية للنقد البناء والمساءلة الرشيدة التي تركز على تقييم السياسات والبرامج العامة بدلاً من استهداف الأفراد والأحزاب بالشخصنة والتجريح.
*● توظيف طاقات الشباب:* توجيه الحيوية الشبابية نحو المبادرات الإنسانية والتنموية (مثل مبادرات الاستجابة الإنسانية العاجلة ودعم قضايا الطلاب والمرضى واللاجئين في شرق تشاد)، وصناعة السياسات، والمساهمة الفاعلة في خطط إعادة الإعمار وبناء السلام الاجتماعي.
إن الأوطان لا تُبنى بسياسات الإقصاء ولا بالصراعات الصفرية، بل تتسم بالاستدامة والمنعة حين تتوحد الإرادات وتتكامل الأدوار تحت مظلة المصلحة العامة.
وإن إنسان غرب دارفور يستحق اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، أن نضع الخلافات الجانبية خلف ظهورنا لنصنع معاً مستقبلاً يسوده السلام، والعدالة، والازدهار المؤسسي.
: alrasheedebrahim@yahoo.com*


