كل معركة كبرى تحتاج إلى مؤونة، وكل انتصار عسكري يحتاج إلى اقتصاد يسنده. وبينما يواصل الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان إدارة المعركة العسكرية والسياسية بكفاءة، تبرز معركة موازية لا تقل خطورة: كسر هيمنة الدولار على التجارة الخارجية، والانتقال إلى المحور الشرقي، حيث يمتلك السودان فرصة تاريخية لتحويل اليوان الصيني من مجرد عملة بديلة إلى شريان مالي دائم، تمتد منه قنوات تسوية مع السعودية والدول الصديقة، فتُحرر اقتصاد السودان من الضغط الخارجي.
الخلفية الجذرية لهذا التحول واضحة: أكثر من 60% من احتياجات السودان تأتي من الصين، وفق ما أكده القنصل السوداني في قوانزو، بينما ظل غياب بنك صيني مباشر داخل البلاد يجبر المستوردين على المرور عبر بنوك وسيطة ورسوم مرتفعة وانتظار طويل، وكلها ضغوط تُترجم مباشرة إلى طلب مضاعف على الدولار في السوق الموازي. الوضع الراهن بدأ يتغير: بنك أم درمان الوطني أتم علاقة مراسلة مصرفية مباشرة مع بنك الصين فرع شنغهاي، وفتح حساباً جارياً باليوان الصيني (RMB) يتيح التحويلات والتسويات المباشرة دون وسطاء، ويختصر الزمن من أسابيع إلى أيام ويخفض التكاليف بنسبة تصل إلى الثلث. التطورات اللاحقة تكشف أن الأفق أوسع: إمكانية اعتماد نظام المدفوعات الصيني (CIPS) للمقاصة بعيداً عن “سويفت”، وتوسيع التسوية بالعملات المحلية ليشمل السعودية ومصر وتركيا والهند، كما اقترح خبراء الاقتصاد.
لكن التحليل العميق يقودنا الى الخطوة الأهم لم تُنجزها بعد. فتح حساب مراسل واحد لا يكسر الهيمنة، بل يؤسس فقط لقناة أولى. الحل الحقيقي يكمن في بناء منظومة متكاملة: بنك صيني سوداني مشترك يعمل داخل السودان، وشركات بنوك صينية سودانية تتولى تمويل الواردات والصادرات مباشرة، ومنصة مقاصة رقمية تربط المستورد السوداني بالمصدر الصيني وكذلك العكس وتُسوّي الصفقة بالجنيه واليوان دون المرور بالدولار. وفي الاستيراد، تتحول الآلات والأدوية والقمح والسلع الاستهلاكية إلى صفقات باليوان؛ وفي التصدير، يذهب الذهب والسمسم والصمغ العربي والقطن إلى الصين بعملتها. أما مع السعودية والدول الصديقة، فيُفتح مسار التسوية بالعملات المحلية واليوان ليشمل جزءاً من التجارة، مع تحديد نسبة سنوية تُخرج من “دائرة الدولار” تدريجياً، فينحسر الطلب على العملة الأمريكية من الجانبين، وتُسحب المضاربة من تحت أقدام سماسرة السوق الموازي.
التبعات المباشرة لهذه المنظومة ستكون ملموسة: خفض كلفة التحويل بنسبة تصل إلى الثلث، واختصار زمن الصفقات من أسابيع إلى أيام، وتحرير سيولة دولارية كانت تُستهلك في الوساطة، وانتظام سلاسل الإمداد، وتراجع الضغط على العملة الوطنية. لكن الأهم هو الأثر الاستراتيجي: كل صفقة تُسوّى باليوان أو بالعملة المحلية مع السعودية والدول الصديقة هي صفقة تُخرج من دائرة المضاربة، وكل قناة جديدة تُفتح هي حلقة تُضاف إلى شبكة النصر الاقتصادي. وآفاق المستقبل واضحة: إذا أُنجزت هذه المنظومة خلال العامين المقبلين، فإن الوفر المتحقق في كلفة التحويل، وتحرير السيولة الدولارية، وتنويع الشركاء، كفيلة بخفض الضغط على العملة الوطنية، وتراجع المضاربة، وعودة الثقة إلى السوق.
في الختام، إن استكمال النصر العسكري يتطلب قراراً اقتصادياً بمستوى القرار الميداني، والمحور الشرقي هو المخرج العملي لا الشعار. إننا نناشد الدكتور جبريل إبراهيم محمد، وزير المالية والتخطيط الاقتصادي، أن ينتقل من إدارة القناة الواحدة إلى هندسة المنظومة: التفاوض فوراً على تأسيس بنك صيني سوداني مشترك، وإطلاق شركات بنوك صينية سودانية، وربط الاستيراد والتصدير بمنصة تسوية باليوان والجنيه، وتوسيع التعامل بالعملة الصينية مع السعودية والدول الصديقة، وتحديد نسبة سنوية من التجارة الخارجية تُحرر من الدولار. الشعب الذي صمد يستحق اقتصاداً لا ينتظر الدولار ليتنفس.


