34 C
Khartoum
الجمعة, أكتوبر 23, 2026

نقطةإرتكاز د.جادالله فضل المولي يكتب: الحلول الاقتصادية .. العلاج الناجح لبقاء الدولة السودانية

إقرأ ايضا

إن الدولة لا تبقى بالشعارات وإنما تبقى حين يجد المواطن قوت يومه في متناول يده، وحين يطمئن على مدخراته الصغيرة في جيبه، وحين يرى أن جنيهه الذي يعرق من أجله لا يذوب كل صباح كقطعة ثلج تحت شمس المضاربات والتهريب والطباعة العشوائية، ولهذا فإن الحلول الاقتصادية اليوم ليست ترفاً فكرياً ولا نقاشاً أكاديمياً في قاعات الجامعات، بل هي العلاج الناجح والوحيد لبقاء الدولة السودانية قوية متماسكة.

العلاج يبدأ أولاً بإعلان حالة طوارئ اقتصادية حقيقية لا ورقية، حكومة حرب اقتصادية بكل ما تحمل الكلمة من معنى، حكومة كفاءات وطنية مشهود لها بالنزاهة والخبرة، لا حكومة محاصصات وترضيات، حكومة تقول للعالم بلسان مبين وفعل أبين إن السودان بخير وإن السودان عاد، تفتح أبواب الاستثمار فتحاً حقيقياً لا ملتوياً، تدعو رؤوس الأموال الوطنية والخليجية والعالمية للمشاركة في إعمار ما دمرته الحرب إعماراً شاملاً، فكل مصنع يبنى وكل مزرعة تزرع وكل طريق يعبد هو رصاصة في قلب المؤامرة ولبنة في بقاء الدولة، وحين يدور دولاب العمل ينتعش سوق العمالة ويتحرك الإنتاج وحين يتحرك الإنتاج يستقر الجنيه استقراراً لا يحتاج معه لبيان من البنك المركزي.

ثم يأتي الركن الثاني وهو سيادة القرار الاقتصادي ووقف النزيف الأكبر المتمثل في طباعة الجنيه بلا غطاء إنتاجي، فكل ورقة تطبع بلا مقابل من ذهب أو صادر أو إنتاج هي خنجراً مسموماً يطعن خاصرة الدولة ويجعل المواطن يكفر بجنيهه ويهرب إلى الدولار، المطلوب ربطاً فورياً بين الطباعة والإنتاج، جرام ذهب يدخل خزينة البنك المركزي مقابله طباعة، شحنة صادر من الصمغ أو السمسم أو اللحوم تدخل مقابله طباعة، غير ذلك هو تزوير مقنن يقتل الدولة، ثم إغراق السوق بالسلع إغراقاً مرئياً ملموساً، فالهلع لا يعالج بالخطب والوعود بل بالوفرة، وحين يرى المواطن الرفوف مليئة والأسواق عامرة سيبيع الدولار بنفسه ويحتضن جنيهه.

ويأتي بعد ذلك العلاج الحاسم وهو طمأنة المغترب السوداني، هذا البطل المنسي الذي هو ثروة قومية تمشي على قدمين، ظلمناه طويلاً حين تركناه فريسة للسوق السوداء، يرسل مدخراته عبر تجار العملة لأنه لا يثق في النظام المصرفي ولا يجد سعراً عادلاً ولا حافزاً محترماً، افتحوا له نافذة بنكية آمنة وسعراً مجزياً ومكرمة في الأراضي والمشاريع والجمارك، طمئنوه أن تحويله يبني مدرسة لابنه ومستشفى لأمه، وعندها ستتدفق المليارات المهاجرة وحدها إلى حضن الدولة وسيكون المغترب هو البنك المركزي الحقيقي الذي لا يفلس.

ولا يكتمل العلاج إلا بسيادة أمنية اقتصادية حازمة، فهناك من يكدس البضائع في مخازن سرية ليجوع الناس ثم يبيعها أضعافاً، وهناك من يهرب الذهب والوقود والماشية عبر الحدود بلا ضمير، هؤلاء ليسوا تجاراً، هؤلاء أعداءً للدولة بثوب تاجر، ولا بد من منظومة أمنية اقتصادية دائمة تراقب المخازن والمناجم والمعابر والطرق وتضرب بيداً واحدة قوية بلا تمييز ولا مجاملة مهما كانت الجهة التي تقف خلفهم.

وأخيراً سيادة الصدق، فالشعب السوداني زهج من الوعود الكاذبة، ملكوه الحقيقة وإن كانت مرة، قولوا له ماذا دمرت الحرب وماذا ننتج وماذا نستورد وكم يهرب وكم يبقى وما هو الحل وكم من الزمن يحتاج، فالشعب الذي يتحمل الحقيقة المرة لا يتحمل الكذبة الحلوة، وإذا منحتموه الصدق منحكم الثقة، وإذا منحكم الثقة بقيت الدولة وبقي معها الجنيه عزيزاً كريماً.
meehad74@gmail.com

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة