37.3 C
Khartoum
الخميس, نوفمبر 5, 2026

مقترح لحل أزمة الوقود في السودان بشراكة تركية فاعلة تحقق استقرار الإمدادات قلم وطني بقلم: خالد المصطفى إعلام لواء الردع

إقرأ ايضا

في وقت تقف فيه سفن الوقود صفاً طويلاً أمام ميناء بورتسودان، يتحول سؤال واحد إلى مفتاح الأزمة: لماذا يظل السودان رهين مربط واحد لا يستطيع تفريغ أكثر من باخرة في المرة الواحدة؟ التصريح الأخير للأستاذة وداد يعقوب، مالكة شركة النحلة للبترول، كشف أن التأخير في تفريغ الشحنات لا ينتج عن نقص في الوقود نفسه، بل عن قيد لوجستي صارم؛ فالسفينة الواحدة تحتاج ما بين ثلاثة وأربعة أيام حتى تُفرَّغ حمولتها، بينما تنتظر سفن أخرى دورها في البحر. هذا الواقع يفتح الباب أمام مقترح عملي جاهز، راكمت تجربته دول أخرى، وعلى رأسها تركيا.

الخلفية الجذرية لهذا القيد لا تعود إلى غياب الإرادة، بل إلى تراجع البنية التحتية للتكرير بعد خروج مصفاة الخرطوم من الخدمة إثر تعرضها للتدمير خلال الحرب التي شنتها مليشيا الدعم السريع الإرهابية، وفق ما أعلنته الجهات الرسمية، ما رفع الاعتماد على الاستيراد إلى مستويات غير مسبوقة، إذ بلغت قيمة واردات المنتجات البترولية نحو 808 ملايين دولار في عام واحد، بحسب بيانات معلنة، بينما اصطفت أكثر من عشر سفن وقود في انتظار التفريغ في بورتسودان. في هذا السياق، لم يعد المربط الواحد مجرد عنصر تشغيلي عادي، بل صار نقطة اختناق تلتقي عندها كلفة التأخير مع محدودية طاقة التفريغ، وتُرجح تقديرات متخصصة أن تبلغ كلفة هذا الانتظار نحو 200 مليون دولار سنوياً تذهب رسوماً وغرامات انتظار.

الوضع الراهن يؤكد أن الحل لا يكمن في مضاعفة الشحنات، بل في مضاعفة المرابط. ويسعفني في هذا المقام أنني قمت برفقة عدد من الزملاء قبل نحو ست سنوات بزيارة إلى تركيا بهدف الاستفادة من تجربتها في منظومة الغاز والنفط، حيث لاحظنا مباشرة أن ميناء إسطنبول يضم أربعة مرابط، أحدها مملوك لرجل أعمال تركي يملك أيضاً مصانع للمستودعات ومنظومات الغاز، وقد أكد لنا استعداده للمشاركة في إقامة مربط أو مربطين للسودان بعد أن لمس حجم هذه المشكلة خلال زياراته المتكررة للبلاد. وشركته تعمل اليوم في السودان، ولديها رغبة معلنة في بناء شراكة ذكية مع وزارة الطاقة والنفط، وهي فرصة استثمارية عظيمة لا تحل ضائقة التفريغ فحسب، بل تخلق بنية تحتية تتيح توزيع العملية اللوجستية بين أكثر من مشغل.

التطورات اللاحقة سارت في هذا الاتجاه فعلياً، إذ أعلنت هيئة الموانئ البحرية السودانية على موقعها الرسمي توقيع مذكرة تفاهم مع شركة “أرغاز” التركية لإنشاء أول رصيف متخصص لخدمات الغاز في ميناء سواكن بنظام البناء والتشغيل ونقل الملكية، برصيف قادر على التعامل مع ثلاث سفن في وقت واحد، وبطاقة تخزين تبلغ 28 ألف متر مكعب، على أن يكتمل المشروع خلال 12 إلى 18 شهراً. وأكد المدير العام للهيئة أن الرصيف سيُنهي انتظار بواخر الغاز ويحقق “صفر انتظار”، إلى جانب تقليل الرسوم التي تُدفع بالدولار والتي تُقدَّر بنحو 200 مليون دولار سنوياً، وفق البيان الرسمي المنشور. هذا النموذج يثبت أن تعدد المرابط ليس رفاهية، بل ضرورة تحقق استقرار الإمدادات وتخفض كلفة الانتظار التي تتحول في النهاية إلى أسعار يدفعها المستهلك.

التحليل المتعمق يكشف أن استمرار العمل بمربط واحد لا يعود إلى غياب العروض الاستثمارية، بل إلى الحاجة إلى مزيد من التنسيق بين الجهات المشغلة، وإلى تحويل الاتفاقات القائمة إلى مشاريع تنفيذية على الأرض. فحين تتوفر مرابط متعددة، يتوزع التفريغ وتنتفي الحاجة إلى انتظار السفن أياماً، وتصبح المنافسة بين المشغلين عاملاً خافضاً للتكاليف. والتجربة التركية، بمرابطها الأربعة ومصانعها المرتبطة بها، تقدم نموذجاً متكاملاً يربط الرصيف بالمستودع، ويحوّل الوقود من عبء لوجستي إلى سلسلة إمداد منظمة.

وفي السياق ذاته، فإن الاستفادة من فكرة تعدد المرابط لا تتوقف عند حدود الغاز، بل تمتد إلى المنتجات البترولية المكررة من بنزين وجازولين، حيث يمكن طرح مقترح لبناء رصيف جديد متعدد المرابط، قادر على استقبال ثلاث بواخر في وقت واحد، بالشراكة مع الشركة التركية ذاتها أو أي شركة عالمية متخصصة، بنظام البناء والتشغيل ونقل الملكية. فمثل هذا المشروع من شأنه أن يفك الاختناق اللوجستي في تفريغ شحنات الوقود، ويقلص زمن الانتظار من أيام إلى ساعات، ويخلق طاقة تفريغ إضافية تتيح استقبال شحنات أكبر دون تكدس، كما يفتح الباب أمام تعدد المشغلين وتوزيع المخاطر التشغيلية بينهم. وإذا ما اقترن هذا الرصيف بمستودعات تخزين حديثة وخطوط نقل مرتبطة بالشبكة الوطنية، فإنه يمنح السودان مرونة أوسع في إدارة المخزون الاستراتيجي، ويحمي السوق من أي تقلبات مفاجئة في الإمدادات، ويضع البلاد على طريق بناء بنية تحتية طاقية قادرة على استيعاب النمو المستقبلي في الطلب.

في الختام، لم تعد معالجة شحّ الوقود مرهونة بمضاعفة الكميات المستوردة، بل صارت مرتهنة بخطوة جريئة تعيد هندسة البنية اللوجستية من جذورها، عبر تبني العروض الجاهزة التي تجمع بين الخبرة الفنية والقدرة التمويلية، وعلى رأسها العرض التركي المطروح. وتحويل هذا المقترح من ورق إلى واقع لا يستلزم سوى قرار تنفيذي جسور يلتقط الفرصة في وقتها، فيمنح البلاد متنفساً حقيقياً في قطاع ظل لعقود أسير الأزمة.

ومن هذا المنطلق، وانطلاقاً من الشعور بالمسؤولية تجاه الوطن وأهله، أناشد السيد رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، والسيد وزير المالية الدكتور جبريل إبراهيم، والسيد وزير الطاقة والنفط المهندس معتصم إبراهيم، إيلاء هذا المقترح ما يستحقه من عناية، والانتقال به من دائرة الطرح إلى دائرة التنفيذ، بما يعيد للسودان سيادته الطاقية ويصون مصالح مواطنيه.
(رغم العملية الزائدة كتبت هذا المقال)

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة