لم يعد أمن البحر الأحمر شأناً يقتصر على الدول المطلة عليه، بل أصبح جزءاً من معادلة أوسع للأمن الإقليمي والدولي، بالنظر إلى أهميته للملاحة والتجارة الدولية وموقعه ضمن الممرات البحرية الاستراتيجية.
وقد عكست التحركات والتفاهمات الإقليمية الأخيرة تنامي الاهتمام بترتيبات أمن هذا الممر الحيوي، وأبرزت أهمية التنسيق بين الدول المعنية بحمايته؛ وفي هذا السياق، يبرز التساؤل حول موقع السودان ودوره في صياغة الترتيبات المتعلقة بأمن البحر الأحمر، باعتباره دولة ساحلية يمتد شريطها الساحلي، وفقاً لبعض المراجع الجغرافية، إلى نحو 853 كيلومتراً، الأمر الذي يجعله طرفاً أصيلاً في أي ترتيبات تتصل بأمن هذا الممر ومصالح الدول المطلة عليه.
وقد اكتسب هذا التساؤل أهمية خاصة عقب تصريح وزير الدفاع السوداني، الفريق حسن داؤود كبرون، في 28 أكتوبر 2026، بشأن مساعي السودان للانضمام إلى تجمع الحماية المشتركة للبحر الأحمر، الذي أشار إلى أنه يضم المملكة العربية السعودية ومصر وباكستان، مؤكداً أن السودان لا يمكن أن يكون بعيداً عن الجهود الرامية إلى تأمين البحر الأحمر.
ولا تكمن المسألة في مجرد الانضمام إلى تجمع أو تحالف أمني، وإنما في ضمان مشاركة السودان الفاعلة في أي ترتيبات تمس أمنه القومي ومصالحه الاستراتيجية، وألا يظل متلقياً لنتائج تفاهمات تصوغها أطراف أخرى بشأن مجال جغرافي يرتبط بسيادته ومصالحه المباشرة.
وقد أكدت مصر والسودان، في بيانهما المشترك الصادر بالقاهرة في 2 نوفمبر 2026، ضرورة احترام حرية الملاحة، واعتبار حوكمة البحر الأحمر مسؤولية الدول المشاطئة له وفقاً للقانون الدولي، مع رفض أي ترتيبات للنفاذ البحري لدول غير مشاطئة من شأنها المساس بسيادة الدول الساحلية ووحدتها وسلامة أراضيها وموانئها، أو استغلال الأوضاع الإقليمية لعسكرة البحر الأحمر.
ويعكس هذا الموقف أهمية التنسيق بين الدول المعنية، كما يضع أمام السودان مسؤولية الانتقال من تأكيد حقه في المشاركة إلى بناء حضور مؤسسي ودبلوماسي مستمر في آليات التعاون الإقليمي، بما يضمن وجوده الفاعل عند صياغة القرارات المتعلقة بأمن البحر الأحمر.
ومن الناحية القانونية، فإن حماية المصالح السودانية في هذا المجال تستند إلى المبادئ المستقرة في القانون الدولي، وفي مقدمتها مبدأ المساواة في السيادة، واحترام السلامة الإقليمية والاستقلال السياسي للدول، وفقاً لميثاق الأمم المتحدة.
كما تنظم اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار نطاق حقوق الدول الساحلية والتزاماتها؛ إذ تمتد سيادة الدولة إلى بحرها الإقليمي، في حين تتمتع في منطقتها الاقتصادية الخالصة بحقوق سيادية واختصاصات محددة، مع احتفاظ الدول الأخرى بحريات الملاحة وفقاً لأحكام الاتفاقية.
ومن ثم، فإن التعاون الأمني البحري ينبغي أن يرتكز على احترام هذه الحقوق والقواعد، وألا تتحول حماية الممرات البحرية إلى ذريعة لفرض النفوذ أو الانتقاص من استقلال القرار الوطني.
غير أن التحدي الذي يواجه السودان لا يرتبط بالتنافس الخارجي وحده، وإنما يتصل، بصورة أعمق، بما أصاب بنيته الوطنية ومؤسساته من تهشيم نتيجة النزاع المسلح وما ترتب عليه من انقسام في السلطة، وتراجع في فاعلية مؤسسات الدولة، واضطراب في ممارسة اختصاصاتها على أجزاء من إقليمها.
وتثير هذه الأوضاع إشكالات قانونية تتعلق بوحدة الدولة واستمرار شخصيتها القانونية الدولية، ومسؤوليتها عن حماية السكان وصون الحقوق والحريات، فضلاً عن قدرتها على الوفاء بالتزاماتها الدولية.
ومن المهم التأكيد أن النزاع المسلح، مهما بلغت آثاره، لا يؤدي بذاته إلى زوال الشخصية القانونية الدولية للدولة أو سقوط حقوقها السيادية، كما أن تعدد مراكز السيطرة الفعلية لا ينشئ، حقاً قانونياً في اقتسام الإقليم أو التصرف في موارده،غير أن ضعف المؤسسات وتراجع قدرتها على ممارسة سلطاتها يهيئان بيئة مواتية لتزايد التدخلات والتنافس الخارجي على الموارد والمواقع الاستراتيجية.
وهنا تتجلى العلاقة بين التهشيم الداخلي والتهميش الخارجي؛ فكلما تراجعت قدرة الدولة على إدارة شؤونها وحماية إقليمها، ضعفت قدرتها على المشاركة المتكافئة في محيطها الإقليمي، وأصبحت مصالحها أكثر عرضة لتأثير التوازنات التي تصوغها القوى الأخرى.
ولا يعني ذلك أن التنافس الخارجي هو نتيجة حتمية للضعف الداخلي، أو أن المصالح الدولية لا تحكمها اعتبارات مستقلة، وإنما يعني أن هشاشة البنية الوطنية تقلل من قدرة الدولة على حماية مصالحها والتفاوض بشأنها من موقع الندية والسيادة.
ولا يمكن النظر إلى السودان باعتباره مجرد دولة تمتلك ساحلاً على البحر الأحمر؛ فهو يمثل موقعاً جغرافياً يربط بين القرن الأفريقي وحوض النيل وعمقه العربي والأفريقي، ويمتلك موارد طبيعية وبشرية وموانئ ذات أهمية للتجارة الإقليمية والدولية.
وهذه المقومات تمنحه إمكانات تؤهله للقيام بدور يتجاوز حدود المشاركة الشكلية في ترتيبات الأمن الإقليمي إلى الإسهام في صياغة سياسات التعاون البحري والتكامل الاقتصادي وحماية المصالح المشتركة.
غير أن تحويل هذه الإمكانات إلى نفوذ مشروع وفاعل يظل رهناً بوجود دولة موحدة ومؤسسات مستقرة قادرة على إدارة مواردها وفق رؤية وطنية واضحة.
ومن ثم، فإن مواجهة التهميش الخارجي لا تتحقق بمجرد الاعتراض على استبعاد السودان من بعض الترتيبات، وإنما تبدأ بمعالجة أسباب التهشيم الداخلي، من خلال إعادة بناء مؤسسات الدولة على أساس الشرعية وسيادة حكم القانون، وتوحيد القرار الوطني، وتعزيز مؤسسات الدفاع والأمن والخدمة العامة، وضمان خضوع إدارة الموانئ والموارد للرقابة القانونية والمؤسسية.
كما تقتضي تطوير سياسة قانونية ودبلوماسية تستند إلى الاتفاقيات الدولية، وتوازن بين مقتضيات الأمن القومي وحرية الملاحة والتعاون الإقليمي، وتؤكد أن حماية أمن البحر الأحمر لا ينبغي أن تكون مدخلاً للمساس بسيادة الدول الساحلية أو استقلال إرادتها.
إن السودان لا يحتاج إلى أن يكون طرفاً في ترتيبات تُصاغ باسمه أو بشأنه، بل شريكاً أصيلاً في صياغتها، مستنداً إلى دولة موحدة ومؤسسات قادرة على التعبير عن إرادته وحماية مصالحه.
فاستعادة المكانة الإقليمية لا تبدأ من البحر، وإنما من الداخل؛ من إنهاء أسباب الانقسام، وترسيخ سيادة القانون، وإعادة بناء الدولة على أساس المواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات.
وعندها يستطيع السودان أن يحول موقعه الجغرافي من مصدر للتنافس عليه إلى رافعة للتعاون والاستقرار والتنمية، وأن ينتقل من موقع الدولة المتأثرة بتوازنات الآخرين إلى موقع الدولة المشاركة في صنعها.


