32.2 C
Khartoum
الأحد, نوفمبر 8, 2026

نقطة ارتكاز د. جادالله فضل المولي يكتب: _الإعلام فخ الاستنطاق_

إقرأ ايضا

القنوات التي تستضيف ضيفاً سواء كان سودانياً أو غيره، لا تستضيفه حباً في حديثه، ولا شوقاً لصوته، ولا احتراماً لرأيه، بل تستضيفه لتستنطقه استنطاقاً محكماً، ولتستخرج منه المعلومة استخراجاً دقيقاً، ولتأخذ منه ما لا يعطيه في العلن، وما لا يقوله في المجالس، وما لا يبوح به إلا تحت ضغط السؤال الماكر، والسؤال المحكم، والسؤال الذي يبدو بريئاً وهو ليس بريئاً.

شاهدت أحد السودانيين يتحدث في موضوع في غاية الخطورة، ويعتبر أمناً قومياً خالصاً، فأعطى العدو معلومة مهمة، معلومة ما كان يحلم بها، معلومة ما كان يصل إليها ولوصرف الملايين ولو زرع الجواسيس، ولو حرك الأقمار، فإذا به يقدمها مجاناً، ويقدمها على الهواء، ويقدمها بلسانه، وبصوته، وبثقة من يظن أنه يحلل، وهو في الحقيقة يسرب، ويظن أنه يوضح، وهو في الحقيقة يكشف، ويظن أنه يخدم وطنه، وهو في الحقيقة يخدم عدوه خدمة لا تقدر بثمن.

إن الإعلام اليوم لم يعد إعلاماً فقط، بل أصبح واجهة لأجهزة المخابرات العالمية واجهة ناعمة، وواجهة محكمة، وواجهة تعمل بهدوء، وتعمل بذكاء، وتعمل باحتراف، القناة تسأل، والمحاور يبتسم، والضيف يتحدث، والمخابرات تسجل، وتحلل، وتوثق، وتربط المعلومة بالمعلومة ربطاً محكماً، حتى تكتمل الصورة اكتمالاً كاملاً، وكل ذلك من لسان سوداني، لا من جاسوس أجنبي.

الحذر واجب ، في حالة الاستضافة من أي قناة أو بودكاست، الحذر من السؤال، والحذر من الانفعال، والحذر من الحماس، والحذر من الرغبة في إثبات الذات، فليس كل سؤال يقال، وليس كل جواب يصلح للنشر، وليس كل معلومة تصلح للهواء، فهناك كلام يقال في الغرف المغلقة، وهناك كلام لا يقال إلا لأهل الشأن، وهناك أسرار لا تخرج إلا بإذن، فالسودان لا يحتمل، لا يحتمل خطأً آخر، ولا يحتمل تسريباً آخر، ولا يحتمل طعنة أخرى تأتي من أبنائه.

السودان اليوم في حالة حرب، والحرب ليست رصاصاً فقط، بل هي معلومة أيضاً، ومن يملك المعلومة يملك المعركة ملكاً كاملاً، ومن يسرب المعلومة يخسر المعركة خسارة فادحة، فالكلمة في زمن الحرب رصاصة، والتصريح في زمن الحرب خريطة، والتحليل في زمن الحرب كنز للعدو، فليحذر كل من يخرج على الشاشات، وليعلم أنه لا يتحدث لنفسه، بل يتحدث باسم السودان، وباسم الجيش، وباسم الشهداء، وباسم أمن قومي لا يقبل العبث.

على كل سوداني أن يصمت صمتاً حكيماً عندما يكون الكلام خطراً، وأن يتحدث حديثاً مسؤولاً عندما يكون الحديث واجباً، وأن يزن الكلمة وزناً دقيقاً قبل أن تخرج، فالإعلام فخ، والاستضافة فخ، والسؤال فخ، ومن لم ينتبه وقع في الفخ وقوعاً لا يرحمه التاريخ، ولا يغفره الوطن، وسلام على من حفظ لسانه حفظاً يليق بالرجال، وحفظ وطنه حفظاً يليق بالسودان.

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة