28.2 C
Khartoum
السبت, فبراير 14, 2026

شيء للوطن م.صلاح غريبة السيادة في المصنع: خارطة الطريق لكسر قيود التبعية

إقرأ ايضا

لم يكن السودان يوماً بلداً فقيراً في إمكانياته، بل كان دوماً ضحية لخلل مزمن في ترتيب الأولويات. نحن نقف على أرض تكتنز بكل مقومات الرفاه؛ من نيل دافق، وأراضٍ شاسعة، وثروات حيوانية ومعدنية، وصولاً إلى طاقات شبابية لا تنضب. ومع ذلك، لا نزال ندور في حلقة مفرغة: نصدر مواردنا “خاماً” بأزهى الأسعار، لنستوردها لاحقاً “منتجات مصنعة” بأسعار مضاعفة، ويدفع المواطن البسيط ثمن هذا العجز من كرامته ومعيشته.
إن المخرج الوحيد من أزماتنا المتلاحقة، والسبيل الأقصر لإنهاء دوامة الاستدانة من المؤسسات الدولية، يكمن في كلمة واحدة: الصناعة الوطنية.
من غير المقبول أن تستمر الدولة في الاعتماد على الخارج لتوفير أبسط مستلزمات الإنتاج بينما نملك المادة الخام. زراعة، ثروة حيوانية،تصدير الذهب، الفوسفات، وغيرها…. دون قيمة مضافة هو تبديد للثروة الوطنية. الدروس القاسية التي مررنا بها تؤكد أنه لا سيادة لدولة لا تنتج غذاءها ودواءها واحتياجاتها الأساسية. إن الاعتماد على القروض والمنح هو مسكن مؤقت، أما الحل الجذري فهو تحويل “المادة الخام” إلى “منتج سوداني” يحمل قيمة مضافة تضاعف العائد المادي وتوفر فرص العمل.
لسنا بحاجة إلى معجزات، بل إلى إرادة سياسية وجدول زمني ملزم. يمكننا خلال عامين فقط خفض فاتورة الاستيراد بمقدار 10–15 مليار دولار سنوياً عبر أربعة محاور رئيسية تشمل الأمن الغذائي الصناعي بإنشاء مجمعات متكاملة لصناعة الزيوت، الأعلاف، الألبان، وتصنيع اللحوم والخضروات. المعادلة هنا رابحة للجميع: المزارع يجد سوقاً، والعامل يجد وظيفة، والدولة توفر العملة الصعبة.
وفي مجال تعميق التصنيع المحلي، يجب فرض قرار رسمي برفع نسبة المكون المحلي في أي صناعة داخل الدولة (أدوية، أجهزة، بلاستيك) لتصل إلى 70% خلال عامين، وإعادة الحياة للمصانع المتوقفة وحصر شامل للمصانع المعطلة جراء الحرب أو ما قبلها، وإعادتها للخدمة عبر شراكات تشغيل ذكية. الهدف هو “الإنتاج” لا تصفية الأصول، ثم ننطلق لغزو السوق الأفريقي، السودان هو البوابة الطبيعية للقارة. تصنيع السيارات ومعدات الري، الكابلات، والمعدات الزراعية الخفيفة محلياً سيجعلنا مركزاً صناعياً إقليمياً بامتياز.
التمويل موجود داخل الدولة، لكنه يحتاج لإعادة توجيه. بدلاً من الاستدانة، يمكننا استغلال أراضي الدولة بنظام حق الانتفاع، وطرح “صكوك إنتاج” مرتبطة بالأرباح الفعلية، وتجميد استيراد السلع الكمالية، وتوجيه كل قرش في الصناديق السيادية نحو المشروعات التصديرية فقط.
إن الإصلاح الإداري الذي يقلص زمن التراخيص إلى 30 يوماً، ويحاسب المسؤول الذي يعطل الإنتاج، هو الضمانة الوحيدة لنجاح هذه الرؤية. الصناعة لا تعيش في مناخ البيروقراطية، والإنتاج لا ينتظر المترددين.
الاستدانة ليست قدراً، وصندوق النقد ليس الحل الوحيد. الحل يسكن في المصنع، وفي الأرض، وفي سواعد العمال. إذا ملكنا الإرادة لتحويل مواردنا إلى صناعات وطنية حقيقية، سنشهد خلال عامين فقط استقراراً في سعر العملة، وعودة الثقة في الاقتصاد، وسيادة حقيقية قرارنا الوطني.
وبعد حرب الكرامة، لتكن الكرامة الوطنية، والتي لا تُستورد.. بل تُصنع في الداخل.

Ghariba2013@gmail.com

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة