في زمن تتداخل فيه حدود الهوية مع اتساع الجغرافيا الافتراضية، يبرز اسم الفنان التشكيلي السوداني محمد ارباب، المعروف فنياً بلقب “بيكاسو سوداني”، كحالة فريدة تجمع بين الاحتراف الفني والموقف الإنساني الواضح، ليتحول من مجرد رسام موهوب إلى أيقونة ثقافية واجتماعية تتفاعل مع جمهور يتجاوز المئة والثلاثين ألف متابع على منصات التواصل، معظمهم لا يبحثون فقط عن لوحة فنية، بل عن مرآة تعكس واقعاً سودانياً معقداً بلغة الألوان والخطوط. محمد ارباب، المقيم في برمنغهام ببريطانيا، ليس مجرد فنان تشكيلي يمارس شغفه في الاستوديو الخاص به، بل هو صوت سوداني معاصر ينبض بالحنين والغضب والأمل، ويستخدم ريشته ولوحة المفاتيح معاً ليرسم ملامح وطن يمزق نفسه، وليرسل رسائل تتجاوز حدود الجماليات إلى صميم السياسة والانتماء. في إحدى منشوراته الأخيرة على صفحته الرسمية، كتب عبارة لخصت فلسفته تجاه ما يحدث في بلاده: “لا تقف مع ميلشيا ضد وطنك، حتى لو كان الوطن مجرد رصيف تنام عليه ليلاً”، وهي كلمات تكاد تكون بياناً فنياً وسياسياً لرجل اختار أن يكون صادقاً مع قلمه وفرشاته، حتى لو كان ذلك على حساب المهادنة أو الصمت المريح.
لفهم ظاهرة “بيكاسو السوداني”، لا بد من العودة إلى الجذور، إلى اللحظة التي قرر فيها محمد ارباب أن يحمل هذا اللقب الطموح، الذي يضع نفسه في موازاة مع أحد عمالقة الفن العالمي، بابلو بيكاسو. اللقب لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج أسلوب فني يمزج بين التكعيبية التي اشتهر بها بيكاسو الأصلي، وبين التراث البصري السوداني الأصيل، حيث تتداخل الأشكال الهندسية مع الرموز الأفريقية والملامح الإنسانية المعاصرة. بدأ ارباب مسيرته الفنية في السودان، حيث تشرّب مفردات البيئة المحلية، ثم انتقل إلى بريطانيا ليوسع آفاقه ويتعامل مع جمهور عالمي، لكنه ظل محتفظاً بجوهر هويته السودانية، بل وجعل منها نقطة قوته الأساسية. في منشوراته، يعلن باستمرار تجديد ولائه للقوات المسلحة السودانية، ويحرص على تخصيص لوحات تجسد قادة الوطن وداعميه، تخليداً لدورهم الوطني في قيادة البلاد وحماية سيادتها.
فقد استطاع محمد ارباب أن يحول صفحته على فيسبوك إلى معرض دائم مفتوح، ينشر فيه أعماله الفنية بانتظام، ومن بينها لوحات شخصية رسمها بأسلوبه الخاص لشخصيات عالمية مثل الملكة إليزابيث الثانية ملكة بريطانيا الراحلة، مما يعكس تنوع مداركه الفنية وانفتاحه على رسم شخصيات عالمية بنفس الحرفية والاهتمام. كما يتفاعل مع متابعيه بنقاشات تتجاوز الإعجابات إلى حوارات نقدية بناءة، حيث يعلن صراحة أنه يتقبل كل نقد بناء، ولا يقبل “العنصرية المريضة بأي شكل من الأشكال”. هذا الموقف الأخلاقي الواضح جعل منه فضاء آمناً للعديد من السودانيين والعرب الذين يبحثون عن جمالية بعيدة عن التعصب والتقسيم. منشوراته الفنية غالباً ما تلامس الواقع السوداني، بكل تناقضاته، من لوحات تعبر عن جمال الريف والمرأة السودانية، إلى أعمال أكثر تجريداً تعكس حالة الاضطراب السياسي والاجتماعي. وفي خضم ذلك، لا يتردد في استخدام منصته للتعبير عن آرائه السياسية، كما فعل في منشوره الأخير الذي حذر فيه من الانحياز للميليشيات على حساب الوطن، في إشارة واضحة إلى الصراع الدائر في السودان، وهو موقف جلب له تأييد الكثيرين، ولكنه وضعه أيضاً في مرمى النقد من بعض الجهات، لكنه ظل متمسكاً بموضوعيته ورؤيته الإنسانية.
في هذا الموقف الفني الواضح تجلت في ازدياد التفاعل مع صفحته، حيث تجاوز عدد متابعيه حاجز المئة والأربعة والثلاثين ألفاً، وهو رقم كبير بالنسبة لفنان تشكيلي يعمل خارج بلاده، كما أن تقييماته الإيجابية من قبل متابعيه بلغت مئة في المئة بناءً على خمس مراجعات موثقة، مما يشير إلى مستوى عالٍ من الثقة والمصداقية. وقد قام الفنان برسم لوحات شخصية للفريق أول عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة والفريق أول شمس الدين كباشي نائب رئيس مجلس السيادة والفريق ياسر العطا عضو مجلس السيادة وشهداء معركة الكرامة والفنانة ندى القلعة، ودمج هذه اللوحات في فيديو واحد وعرض وجوه هؤلاء في الفيديو المنشور على صفحته الرسمية على فيسبوك، إلى جانب تكريمه والإشادة بكل من صدح بصوته مؤيداً للقوات المسلحة، من مثقفين وإعلاميين وفنانين، ولم ينسَ الإشادة بالفنانات اللواتي كان لهن دور وطني بارز في دعم الجيش، ومن أبرزهن الفنانة ندى القلعة التي وقفت بجانب القوات المسلحة وأعلنت تأييدها المطلق لها، إلى جانب نخبة من الفنانات السودانيات اللواتي استخدمن منصاتهن الفنية لنصرتهن للحق السوداني. وفي السياق ذاته، كتب الفنان على صفحته منشوراً خاصاً قال فيه: “تتغير السياسات وتتغير الآراء وتتغير الأيام ويتغير الرجال ولكن مواقف الرجال الشرفاء لا تتغير ولا تتبدل.. تبقي درسا في إخلاص الوطنية للأجيال تحية حب وتقدير واحترام رسم لوحة لسيادة الزعيم مالك عقار نائب رئيس مجلس السيادة صاحب مقولة ( لاجدة ولا جداده ).
هذا النجاح الافتراضي انعكس على عمله الفني والتدريسي، حيث تزايد الطلب على دروسه الفنية، سواء الشخصية في برمنغهام أو عبر الإنترنت، مما جعله يدمج بين شغفه الفني وحاجته للتواصل مع جمهور أوسع. لكن التطور الأبرز كان في تحوله التدريجي إلى ما يشبه المؤثر الثقافي، حيث لم يعد مجرد فنان ينشر لوحاته، بل أصبح مرجعاً يلجأ إليه الكثيرون لفهم المشهد السوداني عبر الفن، وكثيراً ما يُستشار في قضايا تتعلق بالتراث والهوية، وهو ما يتجلى في تنوع منشوراته التي تمزج بين أعماله القديمة والحديثة وتعليقاته على الأحداث الجارية.
يمكن ان ننظر إلى ظاهرة “بيكاسو السوداني” على أنها نموذج للفنان المغترب الذي استطاع أن يحول غربته إلى مكسب إبداعي، باستخدام أدوات العصر الرقمي ليكون حلقة وصل بين ثقافتين: ثقافة المنشأ السودانية وثقافة المهجر البريطانية. لكن الأعمق من ذلك، أن تجربته تكشف عن تحول جذري في مفهوم الجمهور للفنون التشكيلية، ففي زمن يهيمن فيه المحتوى السريع والبصري، استطاع ارباب أن يقدم فناً تشكيلياً يحتاج إلى تأمل ووقت، في صيغة رقمية تفاعلية، مما أعاد للوحة مكانتها في عصر الصورة العابرة. كما أن وضوحه السياسي ورفضه العنصرية جعله نموذجاً للفنان الملتزم بقضايا مجتمعه، دون أن يتحول إلى خطيب أو سياسي، بل ظل محافظاً على أدواته الفنية كوسيلة للتعبير الأعمق. هذا التوازن بين الجمالي والأخلاقي هو ما يميز تجربته عن غيره من الفنانين الذين يفضلون الحياد أو الانعزال في أبراجهم العاجية.
يبدو ان المستقبل مفتوح على مصراعيه أمام فنان بهذه الجرأة والموهبة. مع استمرار الأزمة السودانية، من المرجح أن يزداد الاعتماد على فنانين مثل محمد ارباب لتقديم قراءات بصرية للواقع، وربما يجد في التدريس عبر الإنترنت فرصة لنشر المدرسة الفنية السودانية على نطاق أوسع، خاصة مع إقبال الشباب على تعلم الفنون الرقمية والتقليدية. كما أن وجوده في بريطانيا، قلب المشهد الفني الأوروبي، قد يفتح له أبواباً لمشاركات دولية أوسع، ربما في معارض لندن الكبرى، مما سيساهم في تعريف العالم بالفن السوداني المعاصر. لكن يبقى التحدي الأكبر هو كيفية الحفاظ على هذه الأصالة وسط ضغوط السوق والشهرة، وكيفية الاستمرار في تقديم فن نابع من الداخل، لا يستجيب فقط لرغبات الجمهور العابرة، بل يحتفظ بلحظة الصدق الأولى التي جعلت منه “بيكاسو سودان” الحقيقي.
في الختام، تبقى تجربة محمد ارباب، أو “بيكاسو السوداني”، نموذجاً حياً على قدرة الفن على تجاوز الحدود، ليس فقط الجغرافية، بل أيضاً الحدود بين الذاتي والسياسي، وبين المحلي والعالمي. إنه فنان اختار أن يكون مرآة لوطنه، حتى وهو بعيد عنه، وأن يكون صوته واضحاً لا يشوبه تردد، مؤمناً بأن الفن الحقيقي لا يمكن أن ينفصل عن هموم الناس وأحلامهم. وبينما يواصل الرسم في استوديوه ببرمنغهام، وتتفاعل منشوراته مع آلاف المتابعين، يظل السودان حاضراً في كل خط ولون، كتذكير بأن الوطن ليس مجرد أرض، بل هو أيضاً فكرة تسكن الريشة واللون والكلمة، وحتى لو بات الرصيف هو الموطن الوحيد للبعض، يبقى الفن هو المساحة القادرة على استيعاب كل هذا التناقض وتحويله إلى جمال خالد.


