تحمل الأخبار القادمة من القاهرة اليوم ما هو أبعد من مجرد “إجراء إداري” أو “دعم مالي” لتسيير رحلة؛ إنها تحمل في طياتها رمزية عميقة لتعافي الوجدان الوطني. فإعلان وزارة الثقافة والإعلام عن تسليم قيمة تسيير قطار العودة الطوعية للمبدعين والإعلاميين والمواطنين، يمثل حجر الزاوية في مشروع استعادة القوى الناعمة للسودان، وتأكيداً على أن الوطن، برغم الجراح، لا يزال يفتح ذراعيه لمن صاغوا هويته بالكلمة والريشة والعدسة.
لطالما كان المثقف والإعلامي هما “رادار” الأمة وضميرها الحي. وحين تشتد الأزمات، تتبعثر هذه الكوادر في المنافي والشتات، مما يخلق فجوة معرفية وثقافية في الداخل. تأتي هذه المبادرة تجسير هذه الفجوة، بعودة منتسبي قطاعات الثقافة والآثار والسياحة ليست مجرد عودة أفراد، بل هي استرداد للذاكرة الوطنية عبر عودة خبراء الآثار والمتاحف لحماية وصون إرثنا المهدد، وإعادة بناء الوعي من خلال رجوع الأقلام الإعلامية والرموز الفنية التي تقود معركة الوعي في مرحلة ما بعد الصراع، وتنشيط شريان الحياة بتحفيز قطاع السياحة الذي يمثل هوية الأرض وجاذبيتها.
إن المشهد الذي تجسد في سفارة السودان بالقاهرة يعكس نضجاً في التنسيق بين أجهزة الدولة. فالدور الذي تلعبه البعثة الدبلوماسية في مصر يتجاوز العمل القنصلي التقليدي إلى “إدارة الأزمات الإنسانية”، وتسهيل انسياب العودة بصورة كريمة ومنظمة. هذا التناغم بين الوزارة المعنية بالبناء الفكري والبعثة الدبلوماسية المعنية برعاية المواطنين، يقدم نموذجاً يحتذى به في كيفية تسخير الإمكانيات المتاحة لخدمة الهدف الأسمى: لم شمل الوطن.
“إن العودة الطوعية ليست مجرد وسيلة نقل، بل هي رسالة ثقة بأن الأرض باتت مهيأة لاستقبال أبنائها، وأن الدولة تضع الإنسان، وعقله المبدع، في مقدمة أولويات التعمير.”
لا يمكننا إغفال البعد الإنساني العميق لهذه الخطوة. فالعديد من الأسر السودانية التي وجدت نفسها في مواجهة ظروف الاغتراب القسري، ترى في هذا القطار طوق نجاة. شمول المبادرة للمواطنين الراغبين إلى جانب الفئات النوعية (ثقافة وإعلام) يضفي عليها صبغة العدالة الاجتماعية، ويؤكد أن الدولة مسؤولة عن الجميع دون تمييز.
بينما نحتفي بتسيير القطار، يجب أن تنصب الجهود المستقبلية على تهيئة البيئة المؤسسية لاستيعاب هؤلاء العائدين في مواقع عملهم فور وصولهم، والدعم اللوجستي المستمر لضمان استقرار الأسر التي اختارت العودة في ظل ظروف اقتصادية ضاغطة، والاستثمار في الكادر البشري بتحويل خبرات “العائدين” التي اكتسبوها في الخارج إلى قوة دفع لمشاريع التنمية الداخلية.
في الختام، يظل “قطار العودة” الذي انطلقت ترتيباته من القاهرة بمثابة إعلان رسمي عن بدء مرحلة “الإياب إلى الذات”. إنها دعوة لكل سوداني يمتلك مهارة أو فكراً بأن مكانه الطبيعي هو حيث يوضع حجر الأساس لمستقبل البلاد. شكراً لكل من ساهم في تحويل هذه المبادرة من فكرة على ورق
إلى واقع يمشي بين الناس، وشكراً للمبدع السوداني الذي لا يزال يرى في تراب الوطن وطناً لا بديل له، مهما اتسعت المنافي.
إن القطار لا ينقل الركاب فحسب، بل ينقل الأمل في غدٍ يصنعه من يعرفون قيمة هذا الوطن.
11 مايو 2026
Ghariba2013@gmail.com


