39.5 C
Khartoum
الخميس, أغسطس 13, 2026

المسيرات لا توقف عودة السودان .. كلما اتسعت دائرة العودة والإعمار حاولت المليشيا إعادة الخوف إلى المشهد ..لكن شعبا ذاق النزوح لن تقوده المسيرات مرة أخرى إلى طريق التهجير.. قراءة تحليلية: محجوب أبوالقاسم

إقرأ ايضا

*المسيرات تعود إلى المشهد*

عاودت مسيرات المليشيا استهداف البنى التحتية في في محاولة تبدو أبعد من كونها عملا عسكريا مباشرا فهي تستهدف في جوهرها الأمن النفسي للمواطن وإرادة العودة وإيقاع الحياة اليومية.
وشهدت ولايتا نهر النيل والخرطوم تحركات لمسيرات المليشيا يوم امس فيما تصدت المضادات الأرضية للقوات المسلحة للهجمات في غرب الدامر وأمدرمان لتؤكد أن حماية المدن والمنشآت الحيوية تظل واحدة من أبرز تحديات المرحلة المقبلة.

*لماذا الآن؟*
توقيت التصعيد يحمل دلالات مهمة إذ يأتي في وقت بدأت فيه مظاهر الحياة تعود تدريجيا إلى عدد من المناطق بالتزامن مع عودة المواطنين إلى منازلهم واتساع عمليات الإعمار وإعادة تأهيل المؤسسات والخدمات.
ومن هنا يمكن قراءة استهداف البنى التحتية باعتباره محاولة لضرب مسار التعافي قبل اكتماله وإرسال رسالة للمواطن مفادها أن العودة ما تزال محفوفة بالخطر وأن الحرب قادرة على ملاحقته حتى داخل مدينته ومنزله.

*العودة تزعج مشروع التهجير*

الخطاب الأخير لقائد التمرد الذي دعا فيه إلى العودة إلى الخرطوم لا يمكن عزله عن المشهد الحالي فبينما تتسع عودة المواطنين وتستعيد الخرطوم بعضا من نبضها تبدو محاولات بث الرعب عبر المسيرات وكأنها تستهدف إجهاض هذه العودة أو إبطاءها.
فعودة المواطن ليست مجرد حركة سكانية وإنما إعلان عملي عن انتهاء مرحلة النزوح وبداية استرداد الحياة ولذلك فإن استهداف المدن والمنشآت قد يفهم في سياق محاولة إبقاء المواطن في دائرة الخوف وعدم الاستقرار.

*سلاح الخوف لن ينجح*

المواطن اليوم ليس هو المواطن الذي خرج من منزله في الأيام الأولى للحرب لقد عاش النزوح واللجوء والتشرد وفقد الكثير وشاهد بأم عينيه آثار الحرب على أسرته ومدينته ومصادر رزقه.
ولهذا فإن محاولة تخويفه مرة أخرى قد تأتي بنتيجة عكسية لأن التجربة القاسية صنعت لدى قطاعات واسعة من المواطنين قناعة بأن البقاء في الوطن وإعادة بناء الحياة أفضل من استمرار رحلة النزوح واللجوء.
لقد أصبح المواطن أكثر تمسكا بأرضه وأكثر إدراكا لقيمة المنزل والحي والمدرسة والمستشفى والسوق وهي التفاصيل التي لم يعد مستعدا للتخلي عنها بسهولة.

*معركة تتجاوز الميدان*

المواجهة الحالية لا تدور فقط بين المسيرات والمضادات الأرضية وإنما تتجاوز ذلك إلى معركة على إرادة المواطن ومستقبل الدولة.
فالمسيرة التي تستهدف محطة كهرباء أو منشأة خدمية لا تضرب مبنى فقط وإنما تحاول تعطيل حياة آلاف المواطنين. والقذيفة التي تستهدف منشأة حيوية لا تستهدف حجرا وإسمنتا فحسب بل تستهدف قدرة المجتمع على استعادة عافيته.
وفي المقابل فإن كل منشأة تتم إعادة تأهيلها وكل مدرسة تفتح أبوابها وكل مستشفى يستعيد نشاطه وكل أسرة تعود إلى منزلها تمثل انتصارا لإرادة الحياة على مشروع الخراب.

*الإعمار هو الرد الأقوى*

قد تستطيع المسيرات إلحاق أضرار مادية لكنها لن تستطيع بمفردها إيقاف مشروع إعادة بناء السودان.
فالرد الحقيقي لا يكون فقط بإسقاط المسيرات وإنما أيضا بمواصلة الإعمار وتسريع عودة المواطنين وإعادة تشغيل الخدمات وإعادة بناء المؤسسات التي دمرتها الحرب.
وكلما أسرعت الدولة والمجتمع في تحويل المناطق المتضررة إلى ورش عمل للإعمار تراجعت قدرة الحرب على فرض شروطها النفسية على المواطن.

*المواطن لن يغادر مرة أخرى*

المعادلة الأهم في المرحلة المقبلة هي موقف المواطن نفسه فبعد سنوات من النزوح واللجوء يبدو أن العودة إلى الوطن أصبحت بالنسبة للكثيرين خيارا لا يرغبون في التراجع عنه
المواطن الذي خرج مرغما لن يكون من السهل دفعه إلى الخروج مرة أخرى بالتهديد والقصف. لقد اكتشف أن النزوح ليس حياة وأن اللجوء ليس بديلا دائما عن الوطن وأن الاستقرار الحقيقي يبدأ من البيت والحي والمدينة
ولهذا فإن المسيرات قد تدمر مبنى لكنها لا تستطيع اقتلاع الانتماء إلى الأرض.

*الفرصة ما تزال قائمة*

وسط هذا المشهد يظل الطريق السياسي متاحا إذا توفرت الإرادة لإنهاء الحرب فالفرصة التي طرحها رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان والمتمثلة في الاستسلام ووضع السلاح جانبا تضع أمام التمرد خيارا واضحا للخروج من دائرة الحرب
فاستمرار إطلاق المسيرات لن يغير المعادلة على الأرض ولن يعيد عقارب الساعة إلى الوراء ولن يمنع المواطنين من العودة إلى مناطقهم.
أما وضع السلاح ووقف القتال فيمكن أن يفتح الباب أمام معالجة سياسية ويمنح البلاد فرصة للانتقال من منطق الحرب إلى منطق إعادة البناء.

*السودان أمام اختبار جديد*

المرحلة المقبلة ستختبر قدرة الدولة والمواطن معا على حماية مكتسبات العودة والإعمار وستظل حماية البنى التحتية وتأمين المدن واستعادة الخدمات وطمأنة المواطنين عناصر أساسية في تثبيت الاستقرار.
وإذا كان هدف المسيرات هو إعادة السودان إلى مربع الخوف فإن الرد الأكثر قوة هو المضي قدما في الاتجاه المعاكس مزيد من العودة مزيد من الإعمار ومزيد من الحياة.
فالسودان الذي خرج من سنوات الحرب لن تسمح له إرادة شعبه بأن يبقى أسيرا لها. والمسألة في النهاية ليست معركة إسقاط مسيرة فحسب بل معركة أكبر عنوانها من يملك حق تحديد مستقبل السودان إرادة الحياة أم أدوات الحرب؟
والإجابة في كل عودة جديدة إلى الوطن وفي كل بيت يعاد بناؤه وفي كل شارع يستعيد نبضه تبدو أكثر وضوحا.

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة