25.9 C
Khartoum
السبت, أكتوبر 24, 2026

واشنطن تفشل في السودان وتتجرع مرارة الإخفاق الدبلوماسي قلم وطني بقلم: خالد المصطفى إعلام لواء الردع

إقرأ ايضا

لم يكن فشل الدبلوماسية الأمريكية في السودان وليد اللحظة، بل هو حصيلة تراكمية لسياسة قوامها سوء التقدير، والانفصال عن الواقع الميداني ، والاعتماد على أدوات ضغط بالية لم تعد تجدي نفعاً في مواجهة واقع سياسي وعسكري أكثر تعقيداً مما تتصوره واشنطن. فبينما كانت الإدارة الأمريكية تلهث خلف صفقة وقف إطلاق نار وهمية، كان الميدان السوداني يشهد إعادة تشكيل موازين القوى لصالح من يمتلك الإرادة والوقت، لا من يمتلك الوساطة والبيانات.

فالمحاولة الأولى، التي استهدفت توسيع دائرة حظر توريد السلاح لتشمل كل السودان، لم تكن سوى مغامرة دبلوماسية غير محسوبة. فوفقاً لمصادر متعددة، لم تنجح واشنطن في كسب دعم دولة أفريقية واحدة داخل مجلس الأمن، حيث اصطدمت المعارضة بكتلة تضم الأعضاء الأفارقة الحاليين، إلى جانب الصين وروسيا. والأمر الأكثر دلالة أن مجلس الأمن اكتفى بتمديد تقني لحظر السلاح المقتصر على دارفور، وهو ما اعتبره مراقبون انتصاراً لمنطق السيادة الوطنية على منطق الضغط الأمريكي، بحجة أن الحظر الشامل يقيّد قدرة الدولة على الدفاع عن نفسها. وهكذا، وبعد زخم إعلامي وضغوط علاقات عامة هائلة، انسحبت واشنطن من التصويت لتتجنب فشلاً مدوياً آخر. والقول بأن “هذا التأجيل لا يعكس تراجعاً في عزيمتنا” ليس سوى اعتراف مرير بأن العزيمة وحدها لا تكفي حين يغيب الفهم والتخطيط.

وفي خضم انشغال واشنطن بوساطاتها العقيمة، ظلت دويلة الشر الامارتية تمارس دوراً تخريبياً منهجياً في السودان، دون أن تواجه أي رادع جدي من الحليف الأمريكي. فتقارير أممية واستخباراتية موثقة، من بينها تقرير “ذا سنتري” الأمريكي، كشفت كيف تُزوّد مليشيا الدعم السريع الارهابية بالأسلحة والطائرات المسيّرة عبر قنوات إمداد معقدة تمر عبر ليبيا. بل إن صحيفة “واشنطن بوست” نقلت عن خبراء قولهم إن تدخل دويلة الشر الامارتية في الحرب السودانية تستند إلى مصالح استراتيجية بحتة في البحر الأحمر وممراته الملاحية التي تمر عبرها 12% من التجارة العالمية، إلى جانب أطماعها في الذهب والزراعة السودانية. وهذا الدور لدويلة الشر الامارتية لم يكن غائباً عن أعين السودانيين، بل صار حديث الساعة في المحافل الدولية، إلى درجة أن المندوب السودان الرجل القامة البروف الحارث ادريس في جنيف اتهم دويلة الشر الامارتية علناً بدعم “الميليشيا المتمردة”، مؤكداً أن هذا الأمر “لم يعد محل نزاع أو إنكار”. والسؤال الذي يفرض نفسه: لماذا تلتزم واشنطن الصمت إزاء هذا الدور، بينما تُصرّ على ممارسة الضغوط على القوات المسلحة السودانية التي تمثل الشعب السوداني؟ الإجابة تكمن في ازدواجية معايير صارخة، إذ تُغضّ الطرف عن انتهاكات حلفائها في الخليج، بينما تُطلق العنان لآلة العقوبات ضد خصومها.

في المقابل، لم تكن القوات المسلحة متمثلة في رئيس مجلس السيادة سعادة الفريق اول ركن عبد الفتاح البرهان مجرد متلقٍّ سلبي للسياسات الأمريكية، بل أدار اللعبة ببراعة مذهلة، مستخدماً أدوات المناورة والخداع السياسي والعسكري التي أتقنها عبر سنوات من حكم البلاد. وقد لخص الكاتب والمحلل السياسي عمار سعيد هذه الاستراتيجية بقوله إن البرهان “في كل محطة من محطات الحرب، أثبت أنه لا يبحث عن السلام بل عن الوقت، لإيجاد فرصة لإعادة التموضع، وحشد الحلفاء، وتوسيع دائرة التسليح”. فمنذ اليوم الأول، قدّم البرهان نفسه للمجتمع الدولي كطرف يمثل سيادة الدوله والقوات المسلحة راغب في الحوار، بينما كان في الواقع يستغل كل مبادرة سياسية “لشراء مزيد من الأسابيع والأشهر، ليرمم خلالها قواته المنهكة، ويعيد ترتيب خطوط امتداده العسكري لاستمرار الحرب”. ولعل أبرز تجليات هذا النهج ما وصفه أحد المحللين بـ«فن الإبرة» في السياسة، حيث يُدخل البرهان الإبرة في فجوة ضيقة، ويوهم خصومه وحلفاءه في آن واحد بأنه يميل نحو السلام، ثم ينفصل عن التزاماته ببراعة لتجد واشنطن نفسها أمام واقع جديد فرضته القوة، لا أمام التزام موقّع. وأمام رفض قيادة الجيش للمقترح الأمريكي، ووصف البرهان للورقة الأميركية بأنها “أسوأ وثيقة” و”تهديد مباشر للمؤسسة العسكرية”، لم يعد أمام واشنطن سوى الاعتراف ضمناً بأن من كانت تظنه شريكاً كان في حقيقة الأمر صانعاً لعبة إقليمية أكثر تعقيداً. بل إن البرهان تجاوز الحدود الدبلوماسية عندما اتهم مبعوث الرئيس الأمريكي مسعد بولس بالكذب مباشرة، وأشعل حرباً إعلامية معه، انتهت بإغلاق ملف «الآلية الرباعية» نهائياً من الجانب السوداني، مع الإبقاء على ما سماه التعاون مع “الأصدقاء” في واشنطن والرياض والقاهرة. وفي هذا دلالة عميقة على أن البرهان، بتشكيلته السياسية والعسكرية، لم يعد يرى في الغرب شريكاً موثوقاً، بل ساحة مناورة تُدار من موقع القوة، لا من موقع التبعية.

ولم تكن «الآلية الرباعية»، التي تضم الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات، أفضل حالاً من سابقاتها. فمنذ طرحها في سبتمبر 2025، وخططها المتضمنة هدنة إنسانية لثلاثة أشهر ثم انتقال سياسي خلال تسعة أشهر، اصطدمت بعقبة صلبة: الطرف الذي يُفترض أن يوقّع على الاتفاق رفضه جملة وتفصيلاً. وتحوّلت الرباعية من أداة حل إلى موضوع خلاف، إذ رفضت الحكومة السودانية التعامل معها، واتهمت الوسيط الأمريكي بعدم الحياد، واعتبرت وجود لدويلة الشر الامارتية فيها موضع اعتراض دائم. وفي ظل غياب أوراق ضغط حقيقية، لم يعد أمام هذه الآلية سوى الاندثار التدريجي، خاصة مع اتساع رقعة التشكيك الإقليمي في جدواها، وتنامي أدوار دول أخرى كقطر وتركيا.

ولم يكن العجز الأمريكي محصوراً في الميدان السوداني، بل تجذر في أروقة صناعة القرار بواشنطن ذاتها. فقد كشف تحليل لموقع “إندبندنت عربية” عن “تباين صارخ” بين مسار المبعوث مسعد بولس ومسار وزير الخارجية ماركو روبيو، وهو تباين يعكس “غياب رؤية استراتيجية واضحة، أو في الأقل غياب القدرة على تنفيذ هذه الرؤية بصورة متسقة”. ويصف التحليل حالة السياسة الأمريكية تجاه السودان بأنها “أزمة في صنع القرار وفي التنسيق داخل الإدارة”، وليست مجرد تناقضات عابرة. وهذا الشرخ الداخلي، بين تيار يدعو إلى الانخراط والوساطة، وتيار يدفع نحو العقوبات والانكفاء، يجعل السياسة الأمريكية تبدو وكأنها تسير في اتجاهين متعاكسين في آن واحد، في وقت يحتاج فيه الملف السوداني إلى موقف موحّد وواضح لا يحتمل هذا الترف.

وأخطر ما في هذه الدبلوماسية ليس عجزها عن الضغط على السيد الفريق اول ركن عبد الفتاح البرهان الذي اكد شرعيته الشعب السوداني، بل انحيازها الفجّ إلى قوى الحرية والتغيير، وهو انحياز يضع واشنطن في موضع معادٍ للشعب السوداني نفسه، لا في موضع الوسيط الذي تزعم أنه يعمل من أجل مصلحته. فالشعب السوداني، بعد سنوات من الدم والدمار، لم يعد ذلك الجمهور الذي يُخاطب بالشعارات البراقة، بل أصبح شعباً تعلّم الدرس ودفع ثمنه غالياً، وعرف يقيناً أن ما سُمّي ثورة ديسمبر لم يكن سوى ثورة مزعومة، حملت شعارات تناقض جوهرها تناقضاً صارخاً؛ فقد رفعت لافتات الحرية والسلام والعدالة، بينما كانت تحمل في طيّاتها الخيانة والعمالة، وتشكّل الجناح السياسي لميليشيا الدعم السريع الارهابية التي أمعنت في قتل أبناء الشعب السوداني ونهب ثرواته، واغتصاب الحرائر، وحرق القرى وتدمير البنية التحتية، وإفراغ المدن من أهلها وتهجير الملايين من الشعب السوداني . فكيف لواشنطن أن تقف مع جناح سياسي خان وطنه، ومدّ يده إلى من دمّر بنيته، وقتل شعبه، وامتهن كرامته؟ وكيف تُرفع شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان في واشنطن، ثم يُمدّ الغطاء السياسي لمن غطّى الجرائم، وسوّق لها، ودافع عنها في المحافل الدولية، وحاول إلباسها ثوب الشرعية؟ إن هذا الانحياز ليس خطأً تكتيكياً عابراً، بل هو خطيئة استراتيجية تُفقد واشنطن ما تبقى لها من رصيد لدى الشعب السوداني، وتُعيد ترسيخ قناعته الراسخة بأن السياسة الأمريكية تتعامل مع السودان بمنطق المصلحة والمحاصصة، لا بمنطق العدالة والإنصاف، وأن من يدفع الثمن دائماً هو المواطن السوداني البسيط في الخرطوم والجزيرة ودارفور والفاشر وكردفان، لا من باع الوطن ورهن قراره للخارج.

وهنا يأتي السؤال الأكثر إلحاحاً: ماذا جنَت واشنطن من كل هذا؟ لم تجنِ سوى مزيد من العزلة، ومزيد من الفشل، ومزيد من الخصوم. لقد راهنت على الحرية والتغيير (قحط) في ثوب دويلة الشر التي ترديه مليشيا الدعم السريع الارهابية الخاسر، فخسرت معه. ووثقت في وسيط لا يملك أوراقاً، فسقطت معه. وانحازت إلى جناح سياسي أفلس وطنياً وشعبياً، فوجدت نفسها في مواجهة شعب بأكمله، لا في مواجهة نظام فحسب. وهذه هي الخطيئة الكبرى: أن تظن واشنطن أنها تستطيع اختيار من يمثل السودان، وأن تفرض على السودانيين من يحكمهم، وأن تتعامل معهم كمختبر للسياسات الجديدة، لا كشعب له تاريخ وحضارة وإرادة مستقلة. فالسودان لم يكن يوماً أرضاً مباحة للمشاريع الخارجية، ولم يكن شعبه يوماً عبيداً للتوصيات الدولية، بل هو شعب أنبت حضارات على ضفاف النيل قبل أن تعرف واشنطن معنى الديمقراطية، وهو اليوم أقدر من أي وقت مضى على تمييز الخائن من الوطني، والعدو من الصديق، والمعتدل من المتطرف، بغض النظر عن جنسية من يقف خلفهم أو لون جوازاتهم.

وأمام هذا الواقع، لم يعد أمام واشنطن سوى خيارين: إما أن تُعيد النظر في كامل مقاربتها، فتعترف بالخطأ، وتصحح المسار، وتبتعد عن الانحياز، وتتعامل مع السودان كدولة ذات سيادة لا كمحمية، ومع الشعب السوداني كصاحب حق لا كأداة، ومع الأطراف كلها بمعيار واحد لا بمعيارين. وإما أن تستمر في طريقها الحالي، الذي لا يؤدي إلا إلى مزيد من الإخفاق والانكشاف، وإلى مزيد من التراجع في نفوذها ومصداقيتها، وإلى مزيد من الخسائر في سمعتها الدولية التي كانت يوماً ما رصيداً استراتيجياً لها في المنطقة. وهذا هو جوهر الفشل الدبلوماسي: ليس أن تفشل مرة، بل أن تُصرّ على الفشل رغم وضوح الدروس.

وفي الختام، فإن ما جرى ويجري في السودان ليس مجرد نزاع محلي على السلطة، بل هو اختبار حقيقي لمصداقية الدبلوماسية الأمريكية، ومصداقية شعاراتها حول الديمقراطية وحقوق الإنسان. وقد نجح السودانيون، بقيادتهم وشعبهم، في كشف زيف هذه الشعارات، وتعرية ازدواجية معاييرها، وإسقاط فرضية أن واشنطن قادرة على فرض إرادتها على من لا يريدها. فالسودان الذي خرج من رحم المعاناة، وقاوم الحصار والعدوان، وواجه الأطماع الإقليمية والدولية، لا يمكن أن يُقاد من خارج حدوده، ولا أن يُحكم بوصاية أجنبية. وإذا كانت واشنطن قد تعلمت شيئاً من كل هذه الإخفاقات، فليكن ذلك درساً واحداً: أن السودان ليس مشروعاً، ولا محطة، ولا ورقة تفاوضية. السودان وطن وشعب وكرامة وتاريخ. ومن تعامل معه بغير هذا الفهم، فسيظل يدور في حلقة مفرغة من الأخطاء، وستظل الدبلوماسية الأمريكية في هذا البلد العربي الأصيل سلسلة لا تنتهي من الاخفاقات، حتى تُعيد ترتيب أولوياتها، وتستمع لأصوات السودانيين، وتنحني للسودان وشعبه، لا أن تفرض عليه رؤاها من فوق.

مقالات تهمك أيضا

الأكثر قراءة