في قلب أديس أبابا، تُحاك خيوط تدخل خارجي يعيد تشكيل معادلة الصراع السوداني. تكشف تحقيقات ميدانية وتقارير أممية عن دور متنامٍ للعدو الإماراتي في دعم مليشيا الدعم السريع الإرهابية، عبر إنشاء قاعدة عمليات متقدمة في الأراضي الإثيوبية. هذا التدخل العسكري اللوجستي يجري رغم الإنكار الإماراتي القاطع، ويمثل خرقاً للسيادة ويشتبه في كونه تواطؤاً في جرائم دولية خطيرة، كما تحددها مواثيق القانون الدولي ولا سيما نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
لم تأتِ هذه الخطوة من فراغ، بل هي استمرار لسياسة إماراتية نشطة لتعزيز النفوذ في السودان ودول الجوار. تعامل العدو الإماراتي تاريخياً مع مليشيا الدعم السريع الإرهابية كحليف لحماية استثماراته التي يرفضها الشعب السوداني. ومع تمرد المليشيا، اختار مضاعفة دعمه، وهو مسار يضعه تحت طائلة المسؤولية الجنائية الدولية. فالقانون الدولي لا يعفي من يزود الآلة القاتلة بالوقود والسلاح، حتى لو لم يضغط على الزناد.
الواقع على الأرض يكشف مشروعاً منظماً بعيد المدى. وفقاً لتقرير رويترز المدعوم بصور أقمار صناعية وبرقيات دبلوماسية، مول العدو الإماراتي تجديد وتشغيل مطار “أصوصا” في إقليم بني شنقول-قمز الإثيوبي القريب من الحدود السودانية. تحول المطار إلى جسر جوي حيوي لإمداد المليشيا، وشهد بناء حظيرة طائرات ومركز تحكم للطائرات المسيرة. في معسكر سري قريب، يجري تدريب نحو 4300 مقاتل من مليشيا الدعم السريع تحت إشراف مدربين إماراتيين، بقدرة استيعابية تصل إلى 10 آلاف، ويضم المعسكر إثيوبيين وجنوب سودانيين. تشكل عمليات الإمداد هذه سنداً لقضايا جرائم حرب، ووفقاً للمادة 8 من نظام روما، تخلق مسؤولية قانونية مشتركة.
واجهت هذه الأنشطة احتجاجاً رسمياً من الحكومة والجيش السودانيين، ووجدت اتهاماتهما مصداقية في تقارير خبراء الأمم المتحدة. رد العدو الإماراتي ظل نافياً بينما استمرت الأنشطة على الأرض. المحكمة الجنائية الدولية تركز على “الأركان المادية للجريمة” والأدلة الموضوعية؛ فإثبات توفر الدعم المادي مع العلم بطبيعة الجماعة المستفيدة وأفعالها قد يكون كافياً لإثبات المشاركة في الجريمة.
دعم العدو الإماراتي عبر إثيوبيا جزء من استراتيجية طويلة المدى وتحالف مصالح مع أديس أبابا، التي تسعى لمكاسب في نزاعها الداخلي أو في قضية سد النهضة. والمثير للسخرية إصدار البلدين بياناً مشتركاً يدعو لوقف إطلاق النار في السودان، بينما تُبنى المعسكرات على الأراضي الإثيوبية بتمويل إماراتي، في تناقض صارخ يكشف ازدواجية خطيرة.
يتعامل العدو الإماراتي مع السودان كميدان لصراع بالوكالة بهدف إضعاف الجيش المؤسسي لصالح مليشيا أكثر قابلية للتأثير. هذا النهج يطيل المعاناة الإنسانية ويزرع بذور فوضى إقليمية. دعم الإمارات المقترن بالإنكار يمثل تحدياً صارخاً للنظام الدولي.
التقرير المدعوم بأدلة ملموسة يمثل وثيقة إدانة تعزز دعوى قضائية تاريخية رفعها السودان رسمياً ضد الإمارات أمام محكمة العدل الدولية في مارس 2025، بتهمة “التواطؤ في الإبادة الجماعية” ضد مجموعة المساليت في دارفور. أسس السودان اختصاص المحكمة على المادة التاسعة من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، التي يعد كلا البلدين طرفاً فيها. هذا يجعل النشاط الإماراتي في إثيوبيا، إذا ثبت، انتهاكاً لالتزامات دولية ملزمة.
تهمة “التواطؤ في الإبادة الجماعية” هي أقصى ما يمكن مواجهته في القانون الدولي. وفقاً للمادة 6 من نظام روما، تعني أفعالاً تُرتكب بقصد إهلاك جماعة قومية أو إثنية. تقارير القتل والاغتصاب المنهجي ضد قبائل بعينها في دارفور تُقرب الوضع من هذا التعريف. يمكن مساءلة دولة عن “التواطؤ” عبر مبدأ المسؤولية الجنائية الفردية للمسؤولين الذين يخططون أو يأمرون أو يسهلون الدعم، وفقاً للمادة 25 من نظام روما.
تواجه الجرأة الإماراتية بنية قانونية دولية متطورة. وجود المحكمة الجنائية الدولية يخلق سجلاً قضائياً عالمياً ويرفع تكلفة الانتهاكات. الدعوى أمام محكمة العدل الدولية خطوة عملية نحو المحاسبة. جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية لا تسقط بالتقادم.
في الختام، يمثل دعم العدو الإماراتي لمليشيا الدعم السريع الإرهابية اختباراً حقيقياً لإرادة المجتمع الدولي ونظامه القانوني. الرد المطلوب يتجاوز البيانات الدبلوماسية؛ ويستدعي تحركاً جاداً من مجلس الأمن لفرض عقوبات، وتحقيقاً مستقلاً، ودعماً للجهود القضائية الجارية. مستقبل السودان رهن بقدرة العالم على كبح جماح الطامحين الإقليميين، وقدرة النظام القانوني الدولي على إثبات أنه أكثر من حبر على ورق.


